في عام 1998م عرض فيلم شهير اسمه (عرض ترومان The Truman Show) للممثل جيم كاري، حيث تدور قصة الفيلم حول رجل يولد ويعيش في أستوديو ضخم جداً بحجم مدينة متكاملة، بها محلات تجارية ونهر وبحر ومستشفيات وحدائق وكل مقومات المدن، ودون أن يعرف، يتم عرض كل تفاصيل حياته من خلال كاميرات مثبته في كل ركن من أركان المدينة لتنقل للناس صورة حية لحياة إنسان عادي.

وخلال الفيلم نرى كيف أن المخرج - الذي كان مجهولاً لدى البطل - كان شديد المكر بحيث أقنع بطل القصة من خلال الإعلانات المضللة أن السفر فكرة خطيرة - على الرغم من وجود مركز سفريات في المدينة - وكان البطل كلما أراد السفر يقف مترددا أمام إعلانات تحمل صوراً مخيفة لحوادث طائرات، فيغير رأيه على الفور ويحجم عن مغادرة المدينة أو الأستوديو.

وفي نهاية الفيلم يتمكن البطل من اكتشاف الحقيقة عبر مغامرته في البحر الاصطناعي الذي وصل في نهايته إلى طرف الأستوديو وخرج منه ليرى العالم على حقيقته.

يحمل الفيلم إسقاطات جميلة، حيث يعرفك إلى أساليب الرقيب الملتوية، وكيف يمكن لجهة ما أن تحول فكرة معينة كالسفر إلى خارج المدينة إلى كابوس مزعج، وتصورها على أنها خطر محدق لدرجة أنها تثبط عزيمة الإنسان وتجعله يعيش عمره كله في مكان واحد دون حتى أن يفكر في صحة تلك الفكرة من خطئها.

في الوطن العربي يعيش كثير منا حياة (ترومان) دون أن يشعروا، والذين يحاولون أن يخرجوا من الأستوديو الذي صمم لهم، يرمون إما بتجاوز المحظور أو بتهديد استقرار المجتمع وأمنه.

فقبل أيام عرضت قناة الجزيرة برنامجاً عن الرقابة على الإنترنت في إحدى الدول العربية، حيث تمنع هذه الدولة مواقع عادية مثل (يوتيوب youtube) بتهمة فساد هذه المواقع، وأخرى إخبارية بتهمة تهديدها لأمن الدولة.

وعلى الرغم من كل تلك القيود إلا أن رواد الإنترنت في تلك الدولة استطاعوا أن يجدوا مخرجاً (تقنياً) ويدخلوا تلك المواقع وغيرها رغما عن الرقيب الذي لم يطل مقصه جميع خيوط الشبكة العنكبوتية.

لم تقف تلك الدولة عند الإنترنت فقط، بل ذهبت - شأنها في ذلك شأن باقي الدول العربية - إلى حظر الأعمال الإبداعية لدى الكتاب والفنانين دون سبب يذكر، وكلما سأل الناس عن السبب يقال لهم بأن الرقيب أدرى بمصلحة البلد. قد يكون الرقيب كذلك، ولكن لماذا لا يشارك الرقيب الناس أسلوب تقييمه للأعمال الإبداعية؟ ولماذا لا يطلعهم على معايير تقييم تلك الأعمال حتى يلتزم بها الراغبون في نشر كتبهم أو إنتاجاتهم الفنية؟ والأهم من ذلك، لماذا لا يفصح الرقيب عن نوعية الناس الذين يأتمنهم على مقصه الذهبي؟

إن معظم الذين يعملون على منع الأعمال الإبداعية في العالم العربي هم موظفون بسطاء لا ثقافة لهم ولا فكر، وفي كثير من الأحيان يقومون بمنع عمل ما دون أن يكون لديهم سبب مقنع لذلك، فهم إن لم يكونوا جهلة بما يدور حولهم، فإنهم أصحاب أيديولوجيات ترفض كل من لا ينخرط تحت لوائها وبالتالي تمارس صلاحياتها بتعسف تجاه التوجهات الأخرى.

أستغرب ممن يتحدثون عن الإصلاح في المنطقة ويتباهون ببرامج إصلاح التعليم ويسعون إلى تخفيف حدة التطرف ولا يضعون حرية التعبير على أول أجندة إصلاحهم القصيرة الطويلة!

فكيف يكون إصلاحا دون تخفيف قيود الرقابة على الأعمال الإبداعية؟ وكيف ينمو الإبداع ويزدهر عندما تغتال الرقابة منه عملاً كل يوم؟

وكيف ندعي إيماننا ودعمنا لحقوق الإنسان ونحن نخالف المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الأمم المتحدة والتي تقول: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

حاولت أن أجد قصة في التاريخ تفيد بأن تشديد الرقابة على الأعمال الإبداعية أفاد بلداً معيناً أو أمة ما فلم أجد. بل إن كل الذين وقفوا في وجه المبدعين أطاحت بهم الحقائق وفندّ التاريخ زيف بهتانهم ولو بعد حين. إن حجب الإبداع لا يزيد المحجوب إلا شهرة وانتشاراً، حيث ساهم منع بعض الروايات في الترويج لها وزيادة عدد مبيعاتها لأنها دخلت في باب (كل ممنوع مرغوب)، بل إن حجب الأعمال الإبداعية - وإن كانت تستحق الحجب - تؤدي إلى إعطاء أصحابها مصداقية وتجند لهم مريدين ومؤيدين وتحولهم إلى أبطال من ورق.

لا يختلف اثنان على أهمية بعض الرموز لدى كل أمة، وفي حالنا فإن المقدسات الدينية غير قابلة للاستهزاء والتشهير، إلى جانب أن ابتذال الرذيلة وخدش الحياء العام أمر مرفوض كذلك، وهنا على الرقيب أن يرسم خطوطه الحمراء ويضرب بيد من حديد حتى لا تذوب هوية المجتمع وتنتشر الرذيلة بين أفراده لتصبح شيئاً متقبلاً في يوم ما. أما عدا ذلك فليس من حق أحد أن يحجر على أية فكرة حتى وإن كانت خطأً، وبدلا من أن ينصب الرقيب مقصلته ويلوح بمقصه للمبدعين والفنانين فليرق بثقافة المجتمع وليدع له الحكم النهائي على الأمور (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

إن إحدى مشكلاتنا الرئيسية هي أن الرقيب ليست لديه رؤية لما يقوم به، حيث يقوم بحجب بعض الأعمال الإبداعية ثم يفسحها بعد ذلك والسبب أن (الموظف البسيط) الذي منع العمل أتى مكانه موظف أقل بساطة ورأى في العمل ما لم يره زميله، وهنا تكمن الطامة الكبرى عندما يحكم على الفكر من ليست لديه فكرة.

يبين لنا التاريخ معادلة تطور المجتمعات، فكلما زادت الرقابة قل الإبداع، وكلما قل الإبداع تحول أفراد المجتمع إلى رعاع لا قلوب لهم ولا عقول.

أثناء الحرب العالمية الثانية كانت القوات البريطانية تحذر أفراد المجتمع من الحديث عن أي شيء يخص الحرب، وكانوا يقولون لهم: «loose lips sink ships» أي (الشفاه الفضفاضة تغرق سفناً) ولكنهم سعوا جاهدين لإلغاء هذا المفهوم بعد انتهاء الحرب حتى لا يتحول أفراد المجتمع إلى حفنة من الجنود.

فهل بقيت في العالم العربي سفناً لم تغرق بعد لنخاف عليها من الشفاه الفضفاضة؟ أم أن تلك السفن هي التي أغرقت شفاهنا العربية؟ إن أسوأ رقابة هي تلك التي يمارسها المبدع على فكره خوفاً من المجتمع، وأعظم رقابة هي التي يمارسها المبدع على نفسه خوفاً على المجتمع.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gamail.com