إذا كانت المسألة ستأخذ هذا الجانب من الحذر، فانه ليس فقط جهاز بصمة الموظفين هو وسيط فاعل لنقل الأمراض والعدوى من إصبع إلى آخر، فهناك مقابض الأبواب، وخصوصاً أبواب على اختلافها وأنواعها، فأنت لا تأمن أن من دخل أو خرج ووضع يده على المقبض لا يكون حاملاً لمرض، وقس على هذا الكثير من الأشياء التي يشترك فيها الناس.
تحقيق الزميل عماد عبدالحميد أصابني بفوبيا، ولهذا قررت غسل يدي وإصبع بصمتي المعتمدة في جهاز الدخول والخروج، واقترح إذا كانت المسألة ستصل إلى الإصابة بالسرطان والعياذ بالله، أن تعلق بجانب الجهاز زجاجة مطهر يتناوب عليها الموقعون.
على أيام زمان كان جهاز «دق الكارت» أريح وأسهل، بل ان انه أتاح فرصة كبيرة للموظفين الذين يتأخرون عن ساعة دق الكارت ان يمكنوا زملاءهم من التوقيع بدلاً عنهم.
وقد شاعت هذه الحيلة بين الموظفين في تلك الأيام، فصار موظف واحد باستطاعته ان يوقع بالكارت بدلاً عن عشرة موظفين متأخرين عن دواماتهم وكثيراً ما اكتشف مديرو ورؤساء أقسام هذا الاحتيال، إلى إن جاءت البصمة الالكترونية وقضت على هذه الحيلة..
وفي إحدى الوزارات وحسب رواية مسؤول فيها، على أيام الكروت الصفر والحمر، كان بطل عملية الاحتيال الفراش راجوه الذي كان يتسلل إلى الجهاز قبل ساعة الدوام صباحاً ليدق كروت «الاربابية» نظير عشرة دراهم عن اليوم الواحد، راجوه هذا انقطع رزقه بعدما جاءت بصمة الإصبع.
وثقافة التحايل على ساعة بداية الدوام ثقافة لها جذورها بين الموظفين منذ قديم الزمن، حتى على أيام دفتر الحضور والغياب الأزرق الذي عادة ما يرمى على مكتب قديم تحت سلم الوزارة أو ركن من أركان مبنى الدائرة، وفي العادة يوضع بجانب الدفتر قلم حبر جاف أزرق اللون، وخشية من سرقة القلم يربط طرفه بخيط قوي إلى مكتب التوقيع.
بحيث لا يتسنى للموظف إلا مسافة بين القلم المربوط والدفتر الذي تفتح صفحاته على تاريخ ذلك اليوم.. هذا الدفتر يخطف هو الآخر خطفاً بيد الفراش أو الموظف المسؤول عند توقيت معين ولا يحق لأي موظف التوقيع لاحقاً، فيحتسب في حالة غياب ويوقع عليه العقاب المسن من قبل المدير.
فمثلاً تأخير خمس دقائق يحسب بواقع خصم ربع يوم، تأخير عشر دقائق خصم نصف يوم، تأخير خمس عشرة دقيقة، خصم يوم كامل.. ولأن قلم دفتر التوقيع هو قلم واحد يستخدم من قبل الجميع، فالله أعلم كم من الأمراض نقلها ذلك القلم بين موظفي الدائرة أو الوزارة الواحدة.
المهم على أيام الدفتر، أو أيام دق الكروت الصفر والحمر، أو أيامنا الالكترونية هذه، لا يمكن الاعتماد على منطق الوصول إلى الدوام بالدقيقة والثانية وجزء من الثانية، فانجاز وأداء وإبداع الموظف في الأساس لا يمكن لمسه بالحضور والغياب.
وإنما بالنتيجة التي يعطيها للمهمة الوظيفية الموكلة إليه ومدى إسهاماته في تطويرها.. بعض المديرين، الله يسامحهم، دفعوا كثيراً من الموظفين المبدعين إلى الاستقالة فقط لأنهم لم يروا في إبداع الموظف إلا توقيع قدومه وانصرافه عن العمل.. على فكرة هناك موظفون ملتزمون بالوقت يحضرون قبل المدير بساعة ويذهبون بعده بساعة.. لكن وجودهم من عدمه واحد!!
