في مقالة مهمة كتبها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر ونُشرت في مطلع أبريل المنصرم في صحيفة الواشنطن بوست تحت عنوان «الثورات الثلاث»، طرح الكاتب تصورات ذات أبعاد استراتيجية جديرة بالتمعن حول مستقبل العالم.
فقد أشار في المقالة المذكورة إلى أن جيلنا الحالي هو أول جيل في التاريخ يواجه ثلاث ثورات عالمية متزامنة، هي: تغير النظام التقليدي في أوروبا، والتحدي الإسلامي الراديكالي لمفاهيم السيادة التاريخية، وتحول مركز الثقل الدولي من المحيط الأطلسي إلى المحيطين الهادئ والهندي.
ورغم أن كلاً من هذه المحاور الثلاثة التي أشار إليها كيسنجر له أهميته الخاصة، إلا أن المحور الثالث أكثرها أهمية وأكثرها مدعاة للتمعن، وذلك لأنه يمثل المحصلة النهائية لتصوراته ويعبر عن الدافع الرئيسي لكتابته تلك المقالة.
تركز الثقل الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة في المحيط الأطلسي الذي يفصل بين أوروبا الغربية والقارة الأميركية الشمالية التي تضم كندا والولايات المتحدة، وكانت عرى التعاون الوثيقة والتخطيط الأمني المشترك بين طرفي العالم الغربي قد بنيت عبر إنشاء حلف شمال الأطلسي الذي مُنحت الولايات المتحدة بموجبه سلطة قيادة العالم الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومن المعروف أن شعوب أوروبا الغربية والقارة الأميركية الشمالية تجمعها جذور ثقافية مشتركة، كما أن الأنظمة السياسية فيهما متشابهة إلى حد كبير، فالولايات المتحدة وكندا هما امتداد للوجود الأوروبي الغربي في القارة الأميركية.
التصورات التي وردت في المقالة المذكورة هي في الحقيقة تنبؤات تحمل في أطرها العامة تحذيراً خطيراً موجهاً إلى الغرب، مفاده أن المستقبل سوف يكون مع الشرق، وأن مرحلة سيادة الفكر الغربي على العالم قد آذنت بالأفول، وأن الغرب بحاجة منذ الآن إلى صياغة جديدة لمفهوم الأمن القومي.
فالفارق الجوهري بين المحيط الأطلسي وبين المحيطين الهادئ والهندي ليس في طبيعة المياه بكل تأكيد، بل في طبيعة التراث الفكري والثقافي والإرث التاريخي للشعوب التي تسكن سواحل هذه المحيطات وتُقيم كياناتها عليها، إنها الفوارق الكبيرة التي صنعتها الجغرافيا وزاد في عمقها التاريخ، بين الغرب والشرق.
إلا أن قراءة متمعنة لهذا التحذير توضح أنه موجه بالدرجة الأساسية إلى الولايات المتحدة، فتغير النظام التقليدي في أوروبا الذي لخصه كيسنجر في تضاؤل دور الدولة الوطنية وتنازلها عن بعض جوانب سيادتها لصالح الاتحاد الأوروبي، يضعف من عرى العلاقة الأوروبية مع الولايات المتحدة ويخفف من الثقل السياسي الذي يتمتع به الغرب.
كما أن ظهور التحدي الراديكالي الإسلامي الذي يُبرزه كيسنجر، هو الآخر موجه ضد الولايات المتحدة قبل أن يكون موجهاً إلى حلفائها في أوروبا الغربية، بغرض النيل من نفوذها والطعن في هيبتها وإقلاق أمنها، وهو غير موجه إلى الدول المهمة التي تطل على المحيطين الهادئ والهندي. ولكن ما يجدر تأمله وطرح التساؤل حوله: هل هنالك حقاً ما يدعم تنبؤات كيسنجر في ما يتعلق بالمحور الثالث؟
أم أنه يشير إلى خطر محتمل في المستقبل ويضيف ثقله الاستراتيجي الكبير إلى المجموعة التي تسهم في صناعة القرار الأميركي والتي تدعو إلى ضرورة احتواء بعض الدول في جنوب آسيا وفي شرقها، ومنها الصين، قبل فوات الأوان؟
انتقال مركز الثقل من مكان إلى آخر سببه أفول لقوة في المكان الأول وصعود لقوة أخرى في المكان الثاني، ووفق المعايير المتعارف عليها تراجعٌ في الاقتصاد في أوروبا وأميركا الشمالية وانتعاش في اقتصاد دول أخرى تقع في القارة الآسيوية.
ومن المؤكد أن الدول التي تلعب دوراً هاماً في انتقال مركز الثقل المشار إليه وفق هذه المعايير، هي الصين والهند واليابان وبدرجة أقل كوريا الجنوبية وماليزيا، وتقع جميع هذه الدول في قارة آسيا وتطل على المحيطين الهادئ والهندي. هذا إذا تجاهلنا الإطلالة المحدودة لروسيا على المحيط الهادئ، والتي تسعى منذ سقوط الاتحاد السوفييتي إلى انتهاج سياسة الانفتاح على الشرق والغرب في الوقت نفسه، لأنها دولة نصف أوروبية ونصف آسيوية.
فقد شهد العقدان الأخيران نموا يدعو إلى الإعجاب في اقتصاد هذه البلدان، خاصة في الصين التي بلغ معدل النمو الاقتصادي فيها على مدى العقدين المنصرمين 9%، وهو أعلى معدلات النمو في العالم، وأصبحت بذلك الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة في استهلاك الطاقة.
ولكن ليس كل من يمتلك ذراعاً اقتصادية قوية يتمتع بذراع قوية في السياسة الدولية، فهنالك دول عديدة تصنف على أنها عملاقة في الاقتصاد إلا أنها في الحقيقة ليست سوى أقزام سياسية على المستوى الدولي. فالتمتع بالقوة والقدرة على التأثير في القرارات الدولية لا يتأتى بقوة الاقتصاد وحده، وإنما بتوافر عناصر أخرى مهمة يعمل الاقتصاد القوي على بنائها وازدهارها.
إن التقدم في العلوم والتكنولوجيا هو مفتاح القوة الحقيقية، فهو الذي يصنع أسبابها ويصنع تبعاً لذلك الثقل الدولي لمن يمتلك ناصيتها. إن المحاور التي تصنع القوة وتديمها لدى طرف معين وترجح ثقله إقليمياً ودولياً، هي:
1. الطاقة النووية التي ستكون المصدر الرئيس للطاقة في العالم بعد أفول عصر النفط.
2. الفضاء الخارجي والقدرة على استخدامه لأغراض الدفاع والهجوم والاتصالات وجمع المعلومات والرحلات إلى كواكب أخرى.
3. تكنولوجيا المعلومات التي أصبحت عصب الحياة في الوقت الحاضر.
4. هندسة الجينات وما توفره من آفاق تجعل من الخيال العلمي حقيقة ملموسة، وهي مرشحة لأن تكون أبرز المحاور التي تسهم في صناعة القوة في المستقبل.
لا تزال الدول الغربية والولايات المتحدة بشكل خاص تمتلك قصب السبق في جميع هذه المحاور، من خلال الدور الذي تلعبه جامعاتها ومراكز أبحاثها في توسيع قاعدة العلوم وتعميقها، وتوسيع وتنويع تطبيقاتها التكنولوجية خاصة على مستوى البنى الصغيرة جداً، مستوى النانو، ولا تزال أهم أوراق البحث العلمي ومعظم براءات الاختراع تصدر عن هذه الدول، وليس من المرجح أن تفقد موقعها القيادي في المستقبل المنظور.
كاتب عراقي
