أجرى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تغييرا مفاجئا على حكومته حيث عُين أحمد أويحيى رئيسا للوزراء خلفا لعبد العزيز بلخادم الذي أسندت إليه مهام مبعوث خاص لرئيس الجمهورية. ويُذكر أن أويحيى - البالغ من العمر 56 سنة والذي يرأس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سبق أن تقلد منصب رئيس الوزراء بين عامي 1996 و1998 على عهد الرئيس السابق الأمين زروال، ثم في عهد الرئيس بوتفليقة ما بين سنتي 2003 و2006 حين خلفه عبد العزيز بلخادم.

وقد استقال أويحيى قبل عامين بعد سلسلة من المظاهرات ذات الطابع الاجتماعي، اندلعت بسبب التخوف من أن تؤدي سياسة الخصخصة التي انتهجها آنذاك إلى ارتفاع نسبة البطالة؛ وبعد أن عرضت النقابات اقتراحا للزيادة في الأجور، حظي بتأييد حزب جبهة التحرير الوطني وفضلا عن أن بلخادم الذي كان أمينا عاما للجبهة قاد، بدعم من مجموعة الأغلبية البرلمانية التي تمثلها جبهة التحرير حملة إعلامية لمنع أويحيى من تقديم تقرير حكومته السنوي للبرلمان، مما أدى إلى الإطاحة به..

والجدير بالذكر أن عودة أويحيى كانت مرجحة في الأسابيع الأخيرة، خاصة مع تمثيله الرئيس بوتفليقة في مناسبات كان يتعين فيها حضوره شخصيا بالهند واليابان وكوريا الجنوبية، رغم أنه لم يكن يحمل أي صفة رسمية.

والسؤال الذي يفرضه هذا التعديل يتعلق بأسبابه، ومدى الحاجة إليه حيث لم تشهد الجزائر في الفترة الأخيرة أية تطورات تستدعي إجراء هذا التعديل، فضلا عن أن الحكومة التي كان يرأسها عبد العزيز بلخادم كانت تحظى بثقة البرلمان وتتمتع بدرجة من التماسك تؤكد إمكانية استمرارها فترة طويلة من الوقت. إضافة إلى ذلك فإن الحكومة الحالية أنهت واحدة من المهام الرئيسية الموكلة إليها وهي صياغة التعديلات الدستورية التي تسمح للرئيس بان يرشح نفيسة لولاية ثالثة وأصبحت في انتظار استفتاء الشعب الجزائري عليها.

وكل ذلك يعني أن الرئيس الجزائري كانت له أسبابه لإجراء هذا التغيير الحكومي وهي تتعلق بالأساس وحسبما عودنا الرئيس بعملية توازن القوى بين الأطراف السياسية الجزائرية، فيبدو أن الرئيس لا يريد أن يستقوي على باقي المؤسسات السياسية الجزائرية، فقرر أن يحوله من حزب حاكم إلى حزب مشارك في الحكم، ونفس الأمر يسري على رئيس الوزراء السابق عبد العزيز بلخادم، الذي خشي الرئيس أن يتحول إلى شخصية محورية في العملية السياسية الجزائرية فقرر أن يعيده إلى منصبه السابق كمبعوث خاص له وهو منصب شرفي وليس تنفيذيا مرتبطا بالرئيس وليس بالنظام السياسي الجزائري.

أي أن هذا التعديل الوزاري يسير في نفس الاتجاه الذي سار عليه الحكم الجزائري منذ أن أصبح عبد العزيز بوتفليقة رئيسا وهو تحويل المؤسسة الرئاسية إلى المؤسسة المركزية الوحيدة في النظام الجزائري.

ويمكن أن نعيد التغيير الحكومي الجزائري إلى أسباب متعددة، في مقدمتها بالطبع رغبة الرئيس في تحجيم جبهة التحرير الوطني، فإذا كان عهد الرئيس نفسه قد أعاد الاعتبار لها بما مكنها من أن تصبح هي الحزب الحاكم لكنه لا يريد في نفس الوقت أن تتمرد الجبهة على سلطته ونفوذه وهو الذي اسند في التعديل مسؤولية رئاسة الوزراء لرئيس وزراء من حزب شكلته السلطة الجزائرية ممثلة في الرئيس السابق الأمين زروال، الأمر الذي يعني أن الرئاسة الجزائرية لا تتعامل مع الأحزاب السياسية باعتبارها كيانات سياسية مستقلة.

يضاف إلى ذلك بالطبع أن الرئيس الجزائري أراد أن يعيد السياسيات التي مارسها رئيس الوزراء السابق الذي أعيد تكليفه وهي تتعلق بخصخصة المؤسسات العامة التي أثارت الاستياء الشعبي، وهو ما يبدو أن الرئيس وجد أن الظرف الراهن يسمح باستئناف هذه السياسة، فجاء بمن يمكنه أن يطبقها بصورة جيدة وفقا لمفهومه بالطبع.

وهناك تحليلات تجد في هذا التعديل الحكومي مؤشرا على تراجع الرئيس عن إجراء التعديل الدستوري، وهو من هذه الزاوية وجد انه لا يحتاج إلى القاعدة السياسية الصلبة ممثلة في حزب جبهة التحرير الوطني الذي فرض سياسات اجتماعية يريد الرئيس أن يتحرر منها، وبالتالي قرر تعديل الحكومة لان الهدف الأساسي من إبقائه عليها تنافى فضلا عن أن استمرارها كان يعطله عن تطبيق بعضا من سياساته.

ومن تصريحات رئيس الحكومة الجديدة نستطيع أن نتوقع أنها سوف تركز في المرحلة المقبلة على مكافحة الإرهاب ومواجهة الجماعات الأصولية التي مازالت تمارس العنف وذلك حسب تصريحات احمد أويحيى رئيس الحكومة، وهو ما يعني أمرين الأول أن هذه الجماعات مازالت تثير قلق السلطة الجزائرية، أما الثاني فهو أنها تريد أن تتقرب إلى المؤسسة العسكرية التي كانت تتمتع بعلاقة جيدة مع الحكومة السابقة.

وفي رأي مراقبين فإن هذه الحكومة يمكن أن تساهم في المزيد من التقارب بين الجزائر والمغرب، بالنظر إلى أن جبهة التحرير الوطني التي كان أمينها العام يرأس الحكومة السابقة كانت تكبل الرئيس بميراث تاريخي حول هذه العلاقات ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الرئيس بوتفليقة عندما جاء إلى الحكم أحدث اختراقا في هذه العلاقات وكان ذلك في ظل حكومة يرأسها احمد أويحيى رئيس الحكومة الجديد.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com