لأن الأغلب جاء من أجل «الفلوس» والفلوس فقط ولا سواها، لهذا ترتفع نسب الغش والخداع في كل شيء، فما بالك بالأسواق وما فيها..

يوميا نقرأ جملة من الأخبار عن إعدام أطنان من الأطعمة الفاسدة تم ضبطها من المحلات والمستودعات، إغلاق محلات وتغريم أخرى لأنها لا تتبع الاشتراطات الصحية والأمن والسلامة وتتحايل عليها، غش تجاري في البضائع الضارة والمسممة، غش تجاري في الأدوية، غش تجاري في الألبسة والأدوات الكهربائية المقلدة والتي سببت العشرات من الحرائق والأضرار، وهكذا دواليك.. هناك أناس تخصصوا في تجاوز الإجراءات وكرسوا جهودهم من اجل التحايل واللف والدوران.

ولأن الأغلب جاء وفي نيته «هبر الفلوس» ما أمكنهم إليه سبيلاً، فإن آخر الأولويات، أن اعتبرت في منطقهم أولويات يكون لما يمثل الاستحقاق للقوانين والنظم.

آخر تقاليع التحايل هو ما أفصح عنه مرور دبي أمس عن اكتشاف أصحاب شاحنات يقومون بتركيب أغطية لإطارات شاحناتهم التالفة بغرض تضليل رجال المرور، أي حيلة من اجل تجاوز اشتراطات السير بمركبة صالحة في الشوارع.. هؤلاء ملاك وأصحاب الشاحنات فكروا في التحايل على القوانين والإجراءات.

ولم يفكروا في أن شاحناتهم العملاقة وهي تخترق سيل السيارات في الشوارع وبحالة عجلاتها التالفة هي قنابل موقوتة لحوادث مرورية مأساوية.. لم يفكروا في سلامة وأمن الآخرين على أرواحهم، لكن فكروا في توفير قيمة عجلات جديدة!!

مثل هذه النوعية من الغشاشين والمحتالين على النظم كثر، ويتواجدون كالجراد لا هم لهم سوى القبض على الدرهم بأي طريقة ووسيلة كانت، حتى ولو باعوا السم الزعاف للناس في صورة حلوى لذيذة!

حملة مرور دبي لمراقبة إطارات الشاحنات تمكن أفرادها من ضبط ما يزيد على 1210 شاحنات أراد أصحابها استخدام الحيلة نفسها..

وما يثير حقا ليس هذا العدد الكبير من الشاحنات الملغومة بالخطر عبر إطاراتها التالفة، لكن هذا العدد من المحتالين الذين جلسوا وفكروا في أمر الحيلة، ثم تدبروا أمرهم خلسة وفي الظلام، كما تفعل الخفافيش في مؤامراتها الليلية، ثم قرروا النوع والأسلوب فزينت لهم عقولهم الشريرة ابتكار غطاء يخفي عيوب الإطارات التالفة!

في إحصاءات ونوعيات الحوادث المأساوية التي أودت بحياة الكثيرين هناك نصيب كبير لحوادث الشاحنات.. لماذا تكثر هذه النوعية من المحتالين عندنا؟ لماذا نسمح بأن تكتظ الأسواق بهم، لماذا نفتح لهم المجال واسعاً؟ أسئلة إذا ما بحثنا عن إجابات لها سنجدها كلها تجتمع في مسار واحد وتصب في بحيرة واحدة هي الأس الأساسي والأوحد لمعضلتنا الأساسية.. التركيبة السكانية والنسبة الكبرى من خبرات الاحتيال التي وردت إلينا من الثقافات الهاجمة.

هذا النوع من التفكير الذي تفوح منه رائحة الخبث في كل مرة هو الذي يسود ويترعرع بكثرة في أسواقنا وفي ما يحيط بنا، لهذا يتعرقل التطوير والتحديث في الوقت الذي نسعى إليه بقوة.

mhalyan@albayan.ae