ما زال المواطن يعاني من أجل تحقيق حلمه في مسكن ملائم يؤمن له الاستقرار، وما زال منزل العمر بعيداً عن متناول اليد، بل ان الواقع الحالي يقول إن هذا البيت الحلم يبتعد كل يوم مع تضخم أسعار مواد البناء، فقروض الإسكان والمنح أصبحت جزءاً بسيطاً في عوامل تحقق الحلم، بعدما حولها التضخم في الأسعار إلى رقم هامشي.
فما عادت المنحة تعين على البناء، إذا كان صاحبها سيضطر لمد يده إلى البنوك للحصول على قرض داعم لها، يوازيها في القيمة.. ليصبح المواطن في الحالتين مداناً. حركة البناء أصبحت تبتلع الأخضر واليابس من مواد البناء ويأتي هذا المواطن البسيط باحثا عن بقايا الاسمنت والحديد والطابوق والخشب في سوق لا يعرف الرحمة ولا الرأفة.. ففي يوم ما، كان طن الحديد ب900 درهم فقط، ولو تصورنا ان هذا الرقم ومع تقلبات السوق كان لابد له أن يتضخم كالفيل، فإن النسبة التي يقبلها المنطق والعقل ستكون في ارتفاعها للضعف أو الضعفين.
وسنقول إن السوق جن جنونه حينما يصل طن الحديد فيه إلى 3000 درهم. لكن اليوم يتحدث السوق عن رقم تفصله شعرة معاوية عن الـ 6000 درهم!! الأمر الذي يدخل في إطار المستحيل بالنسبة لمواطن لديه أسرة مكونة من أب وأم وعشرة أبناء وبيده تصريح بقرض يصل إلى خمسمئة ألف درهم ومطلوب منه أن يوفر مسكنا يتسع لحياة أسرته وراحتها غير مرصع بأحجار المرمر ولا أعمدته من رخام القصور ولا أحجاره من حجارة البتراء.
تضاءل قرض الإسكان أمام مطالب الحالة غير الاعتيادية في سوق البناء، وعاد الناس إلى البنوك لتكبل أيديهم وأرجلهم بقروض كالجبال، وبهذا الوضع فقد عدنا إلى نقطة الصفر ونقطة البداية، يوم جاءت برامج الإسكان لتحل معضلة عدم تمكن المواطن من تحقيق حلمه في مسكن ملائم..عدنا إلى بداية الأمر وعادت الظاهرة إلى وضعها السابق.
اليوم ينقلب حال المواطن، وخصوصا إذا كان شابا يحلم بانتشال زوجته وعياله من قفص شقة الإيجار ليؤمن لهم حياة فيها شيء ولو يسير من الرغد العادي في منزل يمتلكه امتلاكا حرا وبلا منغصات.. ينقلب حاله تماما حالما يأتيه الرد والجواب بـ «تمت الموافقة على منحك قرض أو منحة الإسكان» تتبدل الفرحة إلى غم ونكد لأن هذه المنحة أو هذا القرض الميسر وبلا فوائد سيتطلب جر رجله إلى اقرب بنك لسحب قرض آخر يساويه أو يزيد.
لا يعقل أن نطالب الحكومة بأن تخصص مصنعا شعبيا للحديد يخصص إنتاجه لبيوت الإسكان ولا يبيع لتجار الأبراج والمدن العقارية، ولا مصنعا للأسمنت ولا للطابوق يكونان برسم الخدمة. بالرغم من أن هذا المطلب يبدو بالنسبة لعبثية المشكلة هو الحل الناجع لمئات من الشبان يحملون تصاريح قروض الإسكان في أيديهم هائمين على وجوههم بحثا عن مقاول يقبلهم أو مكتب استشارات!
