في خضم الحرب العالمية النفطية القائمة اليوم بسبب ارتفاع سعر برميل النفط بشكل جنوني من عشرة دولارات للبرميل إلى 35 دولاراً وصولاُ في عام 2004 إلى خمسين دولاراً واليوم إلى أكثر من 140 دولاراً وما زال السعر يسجل كل يوم زيادة نسبية، لدرجة ان الخبراء الذي يدلون بتوقعاتهم لشركة بلومبرغ والذين يتجاوز عددهم الأربعين خبيراً فشلوا في توقع اتجاه الأسعار في كل أسبوع خلال الأشهر الماضية فيما عدا أسبوعين فقط نجحت فيها التوقعات أي أن الخطأ كان بنسبة 84%، علماً بأنه لم يتوقع أي منهم وصول الأسعار إلى هذا المستوى الخيالي.

يرصد خبراء النفط والاقتصاد أسبابا عدة لارتفاع أسعار النفط نذكر منها:

1) ارتفاع الطلب العالمي على النفط وبالذات من قبل الولايات المتحدة، والصين والهند وبعض الدول النامية، فالصين على سبيل المثال طلبت من السعودية زيادة وارداتها من 460 ألف برميل يومياً إلى 600 ألف برميل.

2) محدودية الطاقة الإنتاجية من بعض الدول التي كان من المتوقع أن يرفع دخولها إلى السوق من سقف الإنتاجية كالعراق ونيجيريا وليبيا وإيران وفنزويلا ولكن بسبب الظروف الأمنية غير المستقرة في مثل هذه الدول فقد كان لذلك أثره الكبير على انخفاض مستوى إنتاجها وبالتالي انخفاض مستوى المعروض من النفط في السوق العالمية.

3) الضغط على سوق المنتجات البترولية وبالذات في الولايات المتحدة التي تستهلك ربع الإنتاج العالمي فالسوق البترولية الأميركية تواجه العديد من المشاكل المرتبطة بتكرير البترول ونوعية المنتجات البترولية المستخدمة وهذه المشاكل ناتجة عن الأنظمة البيئية التي حجمت إنشاء مصاف جديدة للنفط مما أدى زيادة الطلب من الخارج.

يمكن أن نعتبر هذه الأسباب بأنها عناصر تقليدية دائماً ما يعزو بها المحللون وعلى مدى فترات طويلة من الزمن أسباب ارتفاع أسعار النفط؛ لكن يمكن النظر إلى عوامل أخرى دخلت على الساحة النفطية اليوم أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بهذا الشكل السريع والمحير.

يمكن أن نستشف هذه الأسباب من خلال المواجهة التي تحدث حالياً ما بين الدول المنتجة للنفط والمتمثلة في دول منظمة أوبك والتي تعتبر دول الخليج من أهم الأعضاء فيها وذلك بحكم مستويات إنتاجها العالية وبين الدول المستهلكة للنفط والتي تأتي على رأسها الولايات المتحدة والدول الغربية؛ فدول الخليج تُرجع الزيادة العالية في أسعار النفط إلى مستوى الدولار الضعيف والمضاربة في أسواق النفط.

فسياسة الدولار الضعيف السائدة حالياً تغري المضاربين وتسهم في زيادة المضاربات في أسواق النفط الأمر الذي يؤدي إلى رفع الطلب على النفط شكلياً فقط والذي يتسبب بدوره في رفع أسعاره لأسباب لا علاقة لها بنقص أو فائض الإنتاج النفطي الحقيقي؛ أما الدول الغربية والولايات المتحدة فإنها تشير بإصبع الاتهام إلى دول الخليج بشكل خاص ومنظمة أوبك بشكل عام بأنها هي السبب وراء ارتفاع أسعار النفط الحالية لأنها قررت تحديد كميات النفط التي يتم ضخها للعالم.

ولم تسعى إلى رفع مستوى إنتاجيتها منه مستفيدة من الارتفاع الهائل في مستوى الأسعار الحالية. لذلك شنت الولايات المتحدة والدول الغربية وبالتحديد بريطانيا حملة إعلامية وسياسية على دول الخليج ودول أوبك تطالبهم من خلالها برفع مستوى الإنتاج على أمل أن تنخفض الأسعار؛ وقد وصل الأمر إلى أن قام بعض أعضاء مجلس النواب الأميركي بالتصويت لصالح مشروع قرار يطالب الدول المنتجة للنفط الأعضاء في أوبك وخاصة الخليجية منها برفع إنتاجها من النفط أو قد تتعرض إلى ضغوط سياسية أميركية كمنعها من الحصول على أسلحة أميركية متطورة.

من وجهة نظرنا أن دول الخليج لا يمكن أن تتحمل مسؤولية ارتفاع أسعار النفط كما يحاول الغرب الترويج له، فارتفاع الأسعار يعود بالدرجة الأساسية إلى وضع السوق العالمي الذي فرض هذه الزيادة العجيبة؛ وبالتالي فإن الضغوطات التي تتعرض لها دول الخليج باستمرار لا يمكن اعتبارها موضوعية أبداً.

فدول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية تتجاوب بطريقة إيجابية مع متطلبات السوق النفطية وهي وعلى الرغم من اقتناعها بأن مسألة ارتفاع الأسعار لا تتعلق بقانون العرض والطلب حيث إن العرض الحالي يكفي الطلب الموجود وإنما ترجع الزيادة كما بينا سابقاً إلى قوانين السوق وخاصة ما يتعلق منها بالمضاربات في سوق النفط إلا إنها ما زالت تنظر بعين الاعتبار إلى المطالب الأميركية والغربية في مجال رفع الإنتاج؛

فالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال قامت بزيادة إنتاجها إلى 300 ألف برميل يومياً ليصبح مجمل إنتاجها اليومي 45,9 ملايين برميل في يونيو الحالي، ولكن رجعت المملكة وعدلت من هذا الرقم بعد مؤتمر جدة لتعلن عن زيادتها الحالية إلى 15 مليون برميل في اليوم الواحد، كما أعلنت دولة الإمارات والكويت عن نيتهما في زيادة الإنتاجية إذا ما جاء القرار جماعي في إطار منظمة أوبك.

ولكن هل ستساهم هذه الزيادة في الإنتاج في خفض أسعار النفط كما يحاول الترويج لها في الغرب؟ في اعتقادنا بأن الإجابة ستكون بالنفي على الأقل إذا استمر تراجع القوة الشرائية للدولار الأميركي واستمرت أجواء عدم الاستقرار الجيوسياسي بمنطقة الخليج بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام.

فنحن نعيش اليوم في عالم تبدو فيه الأرقام الفلكية التي لم يتوقع أحد حدوثها في يوم من الأيام حقيقة واقعة في جميع المجالات الاقتصادية فالأزمات التي نعيشها اليوم ابتداء من مشكلة الأرز والذهب وصولاً إلى النفط أصبحت أرقامها تتخطى آليات التوقع التقليدية التي كانت متبعة، مطالبين اليوم باستيعاب هذه الأرقام وبإنتاج آليات توقع حديثة، هذا جزء من الرأسمالية المتوحشة التي تحمل في أحد أوجهها مبدأ الفوضى وما خفي أعظم.

كاتبة اماراتية

f_mansouri78@hotmail.com