أعلنت شركة (غاز بروم) الروسية انها سترفع أسعار الغاز الذي تستورده أوكرانيا اعتبارا من بداية العام القادم، لتصل لمستوى اسعار الغاز الذي يتم تصديره إلى الدول الأوروبية، أي حوالي 400$ للألف متر مكعب.
وجاء رد الفعل الأوكراني الرسمي كما كان متوقعا، ، وافاد بأن أوكرانيا سترفع رسوم الترانزيت للغاز الروسي الذي يمر عبر أراضيها إلى المستهلكين الأوروبيين إلى ضعف الرسوم الحالية وزيادة أجور تخزين الغاز الروسي لأكثر من ثلاثة أضعاف.
جاءت هذه التصريحات عقب لقاء الرئيسين الروسي ميدفيدف والأوكراني يوشينكو على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي في بطرسبورج، والذي توصل إلى البت في موضوع توريد الغاز الروسي إلى أوكرانيا عبر مباحثات بين شركة(غاز بروم) وشركة (النفط والغاز) الأوكرانية، أي بشكل مباشر وليس من خلال وسطاء.
ولابد من القول ان نمو هذا الخلاف جاء كنتيجة طبيعية، بعد أن أصبح موضوع انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو من الملفات الرئيسية في أجندة حلف شمال الأطلسي وفى أولويات روسيا، ما دفع البرلمان الروسي لإعداد مشروع قانون يعتبر أن انضمام أوكرانيا إلى الناتو يعتبر انسحابا للجانب الأوكراني من معاهدة الصداقة والتعاون والشراكة مع روسيا.
وكذلك دراسة قضية انسحاب روسيا منها.ولم يقتصر الأمر على هذا فقط وإنما أثير هذا الملف بعد أن فشلت روسيا وأوكرانيا في التوصل إلى تسوية حول قاعدة سيفاستوبول العسكرية على البحر الأسود، وتواجد أسطول البحر الأسود الروسي في أوكرانيا محدد باتفاقية موقعة بين البلدين تنص على سحب الأسطول المذكور في عام 2017.
وقد كشف موفد وزارة الخارجية الروسية السفير فلاديمير دوروخين عن استعداد روسيا لبحث زيادة ايجار القاعدة التي تعتبر محورية للأسطول العسكري الروسي في البحر الأسود في الأراضي الأوكرانية.حيث تدفع روسيا إيجار يقارب 100 مليون دولار في السنة لكي تبقى مدينة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم قاعدة الأسطول الروسي.
بينما تطالب أوكرانيا بزيادة قيمة الإيجار إلى 4 مليارات دولار. ورفضت روسيا استنادا إلى أن هذه القيمة مبالغ فيه كثيرا وتعني ضمنيا رفض مد الاتفاق، وأن قيمة الإيجار تم تحديدها في اتفاقية وقعت عام 1997، بعد توقيع اتفاقية الصداقة والشراكة، التى تم بموجبها ترسيم الحدود.
واعتبرت روسيا رسميا أن القرم يخضع للسيادة الأوكرانية، بمعنى أن موسكو تنازلت عن حقها التاريخي في شبه جزيرة القرم التي أهداها الزعيم السوفييتي خروتشوف لأوكرانيا في الستينات.
أما الآن، وفيما يصر الجانب الأوكراني على عدم تجديد الاتفاقية التي ستنتهي عام 2017، مطالبا روسيا بأن تبدأ استعدادات لترحيل أسطولها من سيفاستوبول، وعلى الرغم من ذلك فإن موسكو قد أعربت عن استعدادها لزيادة إيجار القاعدة إلى مليار دولار في السنة.
ولقد بات واضحا أن التواجد العسكري الروسي في أوكرانيا يعيق انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، وأصبح جليا أن موسكو قررت أن تمارس ضغوط قاسية على أوكرانيا واقتصادها لإجبارها على التراجع عن مشروع الانضمام لحلف الأطلسي، وترحيل الأسطول الروسي من القرم. وبدأت موسكو تستخدم سلاح الغاز بهدف التأثير على القرار الأوكراني.
ويبدو أن موسكو تريد كل شيء، تريد الأرباح وعائدات الغاز وبقاء قاعدتها في ميناء سيفاستوبول وعدم انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي، وهذا يصعب تحقيقه، لأن روسيا لابد أن تراعى مصالح الأطراف الأخرى، وليس منطقيا أن تحصل روسيا على كل شيء وتدفع أوكرانيا الفواتير.
هذه السياسية ستفقد روسيا الكثير من أنصارها في أوكرانيا على مختلف المستويات. وتعلم موسكو أن لديها الكثير من الأنصار بل والشركاء في أوكرانيا، الذين ترتبط مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع روسيا، إلا أن سياسة الضغط على أوكرانيا، واستنزاف قدراتها لزيادة أرباح الشركات الروسية، لابد وأن تحقق نتائج عكسية.
ستؤدى لمزيد من اقتراب كييف نحو الغرب وربما يؤيد أنصار موسكو ذلك، بعد أن خذلتهم روسيا، وأصرت أن تمارس ضغوط عليهم لتحقق زيادة في أرباح شركاتها العاملة في قطاع الطاقة. ويذهب البعض أن لروسيا مصلحة في إضعاف صناعة التعدين الأوكرانية باعتبارها تنافس قطاع التعدين الروسي.
كاتب ومحلل سياسي روسي