مريب ويثير الكثير من الشكوك اتفاق التهدئة الذي تم التوصل إليه عبر وساطة مصرية بين حركة حماس على جبهة قطاع غزة، وإسرائيل والذي دخل حيز التنفيذ الفعلي صباح يوم الخميس التاسع عشر من يونيو الجاري.

الاتفاق قوبل بترحيب واسع ومن أوساط وأطراف متناقضة في سياساتها ومصالحها ودوافعها وأهدافها، فإذا كان الاتفاق يشكل تحقيقاً لمصالح أطرافه ونقصد إسرائيل وحركة حماس، فإن السؤال هو لماذا ترحب بها السلطة الفلسطينية، والاتحاد الأوروبي، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط روبرت سري، وسوريا، والإدارة الأميركية؟

لعل الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي الأكثر حساسية وصدقاً في التعبير عن الموقف من الاتفاق، الذي حصل على تأييد من القاعدة الشعبية على جانبي الصراع، لكن أغلبية أكبر، كما تعكس ذلك استطلاعات الرأي، تبدي شكوكاً واضحة إزاء إمكانية استقراره واستمراره.

المقارنة بين ما تحصل عليه حماس وما تحصل عليه إسرائيل من وراء الاتفاق، يضيف مؤشراً آخر على طبيعته التكتيكية، والظرفية، والتي أكدها رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت حين اعتبره «هشاً» وقصير الأجل.

مقابل وقف العمليات العسكرية بما في ذلك وقف إطلاق الصواريخ وهو ما تحصل عليه إسرائيل، فإن حركة حماس تحصل على جملة من المكاسب فهي أولاً: ستحصل على تخفيف تدريجي للحصار وصولاً إلى فتح كافة المعابر التجارية، بعد عشرة أيام من سريان الاتفاق.

ثانياً: بوسع حركة حماس أن تدعي بأن صمودها ومقاومتها، قد أتت ثمارها، فلقد فرضت وجودها على الكل، وأرغمت إسرائيل على التعاطي معها ولو بطريق غير مباشر.

ثالثاً: يمكّنها هذا من الادعاء بالذهاب إلى الحوار الفلسطيني الذي دعا إليه الرئيس محمود عباس، وهي في موقع أقوى من تحجيم الثمن الذي يترتب عليها دفعه على طاولة الحوار من أجل إنهاء الانقسام، ويعزز قدرتها على تحقيق إنجازات.

رابعاً: إن فتح المعابر التجارية بين قطاع غزة وإسرائيل، سيوفر لحماس فرصة أفضل من أجل فتح معبر رفح لاحقاً، أو حصر المسؤولية عن إغلاقه بالطرف المصري فقط، خصوصاً وأن حماس تعتقد بأن إسرائيل قد رفعت يدها عن ذلك المعبر.

أصبح واضحاً أن اتفاق التهدئة الذي تعثّر في أسبوعه الأول، رغم استمرار سريانه، هو من إنتاج وزير الدفاع ايهود باراك، الذي لا يتوقف رئيس الحكومة أولمرت عن اتهامه بالمسؤولية عن تعطيل العملية العسكرية الواسعة التي يرغب بشدة أولمرت في القيام بها ويؤيدها العديد من وزرائه.

وإذا كان باراك يسعى لحرمان أولمرت من الغطاء الذي توفره له العملية العسكرية الواسعة ضد قطاع غزة، وأن يواصل العمل لحسابه الخاص وليس لحساب أولمرت أو الحكومة، فإن هذا التعارض يقف أيضاً وراء التنافس بين الرجلين على من يكون منهما صاحب إنجاز ملف الجندي جلعاد شاليط، الأمر الذي يفسر زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية لمصر يوم الثلاثاء الماضي الرابع والعشرين من الجاري، والذي ركز خلالها على ملف شاليط.

يبدو أن تسلسل الأولويات بالنسبة لإيهود باراك مختلف عنه بالنسبة لأولمرت. يرغب الأول في تحقيق التهدئة، ثم الإفراج عن شاليط قبل أن يقرر عملية عسكرية واسعة على غزة.

ويكون كل ذلك لحساب الشخص بما يدعم فرصته في الترشيح لمنصب رئيس الحكومة في انتخابات مبكرة قادمة، بينما كان أولمرت يستعجل العملية العسكرية ضد قطاع غزة بما يساعده على تخفيف أزمته والتغطية عليها لقطع الطريق أمام انتخابات مبكرة أو لتأخيرها قدر الممكن.

التهدئة إذا ليست سياسية لدى الطرفين الذين وافقا عليها، وهي ليست الطريق لتغيير المواقف الدولية من حركة حماس، فبالرغم من ترحيب الأطراف الدولية باتفاق التهدئة إلا أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يواصلان التمسك بشروط الرباعية الدولية التي تطلب من حماس الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

ونبذ ما يسمى ب«الإرهاب»، والاعتراف بالاتفاقيات السابقة، ويواصلان أيضاً رفع الفيتو في وجه الحوار بين فتح وحماس كما اتضح ذلك في مؤتمر برلين لدعم الشرطة الفلسطينية الذي انعقد الثلاثاء الماضي.

إذا كانت التهدئة غير سياسية بالنسبة لإسرائيل، وأنها ليست في واقع الحال مدخلاً سياسياً سيؤدي إلى تغيير في سياسة حماس ووضعيتها أما الرباعية الدولية، وأن أحداً لم يصدق بأن إسرائيل سترفع حصارها على غزة كثمن لتهدئة لا تحصل من ورائها على ما يكفي من المكاسب، فإن قراءة التهدئة في سياق التطور اللاحق للأحداث يجعلنا أمام ثلاثة سيناريوهات.

أول هذه السيناريوهات هو اعتبار التهدئة على جبهة إسرائيل، غزة مكملاً لسياسة التهدئة في الوضع اللبناني، وعلى الجبهة السورية حيث جزرة المفاوضات مع إسرائيل بواسطة تركيا، فضلاً عن ما تنطوي عليه العقوبات الأوروبية الأخيرة ضد إيران كأسلوب بديل عن العمل العسكري. نقول اعتبار كل ذلك يندرج في سياسة تسكين للأوضاع في الشرق الأوسط انتظاراً لما سيكون بعد الانتخابات الأميركية.

ثاني هذه السيناريوهات، هي أن تكون التهدئة جزءاً من سياسة تستهدف عزل إيران عن حلفائها، بما في ذلك حماس في غزة، وتصعيد لهجة التهديد باستخدام القوة من أجل تمهيد الطريق أمام إمكانية تحقيق مساومة مع إيران على خلفية تقاسم المصالح والنفوذ الإقليمي مع الولايات المتحدة.

أما ثالث هذه السيناريوهات، فهي في اتجاه مواصلة عزل إيران عن بعض تحالفاتها المهمة والفاعلة في المنطقة، تمهيداً لعمل عسكري ضدها، تكون إسرائيل رأس حربته. في هذه الحالة فإن التهدئة على جبهة غزة مع حماس ليست سوى عمل تكتيكي يؤدي إلى الإفراج عن الجندي شاليط بدون رفع الحصار.

ويهيئ لإسرائيل القيام بعملية عسكرية واسعة ضد حماس التي لن تنصاع للشروط الدولية، وستتهم بأنها غير قادرة على حماية التزاماتها في حال انهارت التهدئة. ما تخبئه الأيام والأسابيع المقبلة أكثر مما يظهر على سطح الأحداث والوقائع الجارية، غير أن الأسبوع الأول منذ سريان التهدئة يؤكد طبيعتها الهشة والتكتيكية.

فلقد أدى قيام إسرائيل باغتيال اثنين من قيادات الجهاد الإسلامي إلى رد فعل بإطلاق ثلاثة صواريخ على «سديروت»، شكلت ذريعة لإسرائيل للإعلان عن إغلاق المعابر مع قطاع غزة ليعود الوضع أسوأ مما كان عليه قبل التهدئة.

حماس التي أعلنت تجديد التزاماتها بالتهدئة طالبت مصر بالتدخل لإلزام إسرائيل بالعمل بموجب الاتفاق، لكن إغلاق المعابر جاء باتفاق بين أولمرت وباراك، بعد أن سوّى الاثنان خلافاتهما بتراجع العمل عن نية التصويت لحل الكنيست.

الآن إما أن تقدم حماس المزيد من التنازلات التي تُسَّهل إطلاق سراح شاليط مقابل عودة إسرائيل للتهدئة، وإما أن الأوضاع تندفع نحو تصعيد العنف.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com