تغيرت سمات السياسة الخارجية للدول ومرجعياتها وتوجهاتها في العقدين الأخيرين، فقد كانت قبل ذلك حريصة بدرجة أو أخرى على تقاليد الدولة المعنية وقيمها ومفاهيمها التي تكونت تاريخياً.

وغدت المصالح البحتة هي المحرك لهذه السياسية بعد هيمنة القطب الأميركي الواحد، فلم تعد سياسات الدول الخارجية تهتم بمبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان وغيرها إلا إذا اضطرت لاستخدامها خدمة لمصالحها الطارئة ووسيلة لتحقيق هذه المصالح.

وصار محرك السياسة الخارجية الأميركية أي البحث عن المكاسب دون الاهتمام بغيرها هو المعيار الرئيس للسياسات الخارجية للدول الأخرى. ولم يرف جفن لمعظم الدول الكبرى عندما أخذت تختط سياساتها في هدي ذلك.

وأصبح هذا ينطبق على سياسات الدول الأوروبية ذات التقاليد العريقة، وأخذنا نشهد كيف صارت هذه الدول تحدد سياساتها من منطلقات مصلحية (براغماتية) بحتة، وقد شهدنا السياسة الخارجية الفرنسية خلال العام المنصرم تنقلب على نفسها أسلوباً وأهدافاً وتتبنى مفاهيم أقرب إلى النمط الأميركي منها إلى النمط الأوروبي لا إلى نهجها السابق وتقاليدها العريقة، وعلاقاتها الدولية التي تبنتها خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

كانت السياسة الفرنسية الخارجية خلال العقود الخمسة الأخيرة تضع على رأس أولوياتها نشر الثقافة الفرنسية والاعتزاز بها وتذكير الدول الأخرى أن فرنسا هي الدولة الأم لمفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان وتحاول أن تكون سياستها الخارجية متوازنة.

وقد التزمت بهذا التوازن بعد انتهاء الحرب الباردة وهيمنة القطب الأوحد على السياسة العالمية. وكان يبدو من ممارسات السياسة الخارجية الفرنسية أنها تحاول أن تكون أوروبا في المستقبل واحدة من الأقطاب الرئيسية في العالم.

بعد انتهاء عصر الاستعمار الفرنسي القديم وضع الجنرال ديغول أسساً جديدة للسياسة الخارجية الفرنسية تأخذ في اعتبارها التقاليد والقيم الفرنسية والسعي لتحقيق التوازن وقد تبنى جميع الرؤساء الفرنسيون بعد ديغول من اليمين واليسار هذه السياسة مع خلافات بالدرجة وليس بالنوع.

ونفذها الرؤساء من الحزب الديغولي وآخرهم جاك شيراك كما طبقها أيضاً الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، لكننا بدأنا نشهد في السنة الأخيرة مع تولي الرئيس ساركوزي مهماته تغيراً كبيراً في سمات هذه السياسة وأهدافها وأساليبها.

ويفخر الرئيس نيكولا ساركوزي بهذا التغير الذي تبناه والذي يشي بسيادة سياسة الصفقات التجارية والبحث عن المصالح فقط دون الأخذ بالاعتبار لا التقاليد الفرنسية السابقة ولا النهج الفرنسي التقليدي تجاه القضايا الدولية الرئيسية.

وغدت وكأنها أقرب إلى الاستسلام لسياسة الإدارة الأميركية ولمواقف المحافظين الجدد في هذه الإدارة منها إلى الموقف الأوروبي المستقل وأخذت تقلد السياسة الأميركية وتحاول كسب ودها والتعاون معها إلى أقصى الحدود مما يحقق مصالح الاحتكارات الفرنسية المتماهية مع الاحتكارات الأميركية ولا يتواءم بالتأكيد مع مصالح الشعب الفرنسي ومصالح فرنسا.

لم تخرج سياسة فرنسا الساركوزية تجاه القضايا العربية عن هذا الإطار فقد كادت تتخلى عن دورها المتوازن في الصراع العربي الإسرائيلي أو تجاه الثقافة والحضارة والمصالح العربية، وأظهر رئيسها تأييداً كبيراً لإسرائيل.

ويصر الرئيس نيكولا ساركوزي في كل تصريح يطلقه حول شؤون المنطقة على تذكيرنا بصداقته مع إسرائيل والتزامه بأمنها وتبرعه بدعمها بما يتجاوز أحلام قادتها فقد قال في كلمته أمام الكنيست (سنحمي إسرائيل وسنقف دائماً إلى جانبكم) وكان تأسيس دولة إسرائيل (استكمالاً لوعد تناقلته الأجيال منذ الشتات) ودولة إسرائيل (ليست دولة يهودية بل دولة تنتمي إلى الإنسانية جمعاء).

وقد أثارت (في لحظة ولادتها الأمل في صفوف أولئك الذين لم يكلوا من معارضة البربرية) دون أن يأخذ الحقوق العربية بعين الاعتبار، حتى أنه لدى زياراته لبعض البلدان العربية اهتم بالدرجة الأولى بعقد الصفقات دون مقابل كما فعل خلال زيارته لليبيا والجزائر والمغرب وتونس وغيرها ولم ينطق بكلمة واحدة تدعم الحق العربي أو تؤكد توازن سياسته العربية (باستثناء الشعار الخادع والبائس إقامة الدولتين فضلاً عن بعض اللفظيات غير الجادة المتعلقة بالمستوطنات والقدس).

وحاول بدلاً من ذلك أن يطرح عقد مؤتمر لدول المتوسط بديلاً عن اتفاقية برشلونة وحدد شهر يوليو المقبل لعقد هذا المؤتمر، ومن خلال سياسته التي شهدناها في العام الماضي يصح الافتراض أن الرئيس ساركوزي سيحاول في هذا المؤتمر عقد صفقة متعددة الجوانب ودفعة واحدة مع مجمل البلدان العربية، ويمهد لإقامة علاقات سياسية بين إسرائيل والدول العربية قبل الوصول إلى تسوية.

لقد طوى الرئيس ساركوزي مفاهيم وتقاليد سياسة فرنسا العربية بل وسياسة فرنسا الخارجية واكتفى بالعمل لتحقيق مصالح طارئة أقرب إلى البازار منها إلى السياسة الخارجية العادلة والثابتة والشاملة.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org