في الأشهر الأخيرة المتبقية من فترة الرئاسة الثانية والأخيرة للرئيس جورج بوش، تبذل الإدارة الأميركية جهداً محموماً في سباق ماراثوني لإنقاذ المشروع الذي تبنته وسوقته في فترة الرئاسة الأولى حول خلق شرق أوسط جديد يتمتع بمواصفات ديمقراطية حسب مقاساتها.

إذ ليس من قبيل المصادفة أن تُطرح مبادرات عديدة لإيجاد حلول لمشاكل مزمنة في المنطقة في أوقات جد متقاربة تصب جميعاً في صالح تعزيز الأمن والسلم فيها وتعزز الهيمنة الأميركية عليها. فهذه المبادرات تعبر عن تغير ملحوظ في المواقف والسياسات من قضايا هامة واستراتيجية لدى بعض دول المنطقة. وقد طُرحت متزامنة مع الجولتين المهمتين للرئيس الأميركي في الشرق الأوسط أولاً ثم في أوروبا أخيراً وهي:

1ـ العرض الذي قدمته إسرائيل إلى سوريا بإعادة هضبة الجولان إليها في جولة مفاوضات قادمة بين الطرفين بوجود وسيط تركي.

2ـ اعتزام سوريا إرسال سفير لها إلى بيروت بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فيه بموجب اتفاق الدوحة. وهذا الموقف السوري يعتبر الأول في تأريخ العلاقات السورية - اللبنانية التي طغت عليها نزعة عدم اعتراف سوريا بالوجود اللبناني كدولة.

3ـ فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية الفرنسية بمبادرة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والمعروف أن العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى أقصى درجات التدني إثر مشاركة فرنسا مع الولايات المتحدة في إصدار القرار 1559 من مجلس الأمن الدولي لإرغام سوريا على سحب قواتها من لبنان.

4ـ تزايد الضغوط الفرنسية على إسرائيل لتقديم التنازلات للجانب الفلسطيني ودعوتها لوقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية والدعوة إلى تقسيم مدينة القدس لتكون عاصمة للدولتين إسرائيل وفلسطين كما ورد على لسان الرئيس الفرنسي في خطابه الذي ألقاه مؤخراً في الكنيست الإسرائيلي.

5ـ تأييد الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس حق لبنان في المناطق التي تحتلها إسرائيل وهي مزارع شبعا والوعد الذي قدمته للرئيس اللبناني ميشال سليمان بالعمل على تحقيق ذلك.

6ـ طلب الأمم المتحدة من تل أبيب الانسحاب من مزارع شبعا في جنوب لبنان معتبرة وللمرة الأولى بأن هذه المنطقة تابعة إلى لبنان وليس إلى سوريا كما تدعي إسرائيل.

7ـ تبني عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي لمشروع يقضي بإصدار قرار غير ملزم للإدارة الأميركية لإجبار الحكومة العراقية على الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.

تسارع ملفت للنظر في مقاربة ملفات مهمة، بل خطيرة، في هذه المنطقة المهمة من العالم تستدعي التأمل والتفكير حول بواعثها وحسابات الربح والخسارة فيها ومآل مساراتها. فما هو المشترك في المصالح والمواقف الذي يترتب على تحقيقها؟

الدول التي تشترك في مقاربة ومناقشة وإقرار هذه المحاور المعقدة طواعية أو قسراً هي: سوريا ولبنان وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والعراق تحت رعاية أميركية ومشاركة تركية محدودة ومشاركة فرنسية فاعلة بعد أن أصبحت فرنسا أقرب الحلفاء الأوروبيين إلى الولايات المتحدة في منظورها إلى العديد من القضايا الشائكة في منطقة الشرق الأوسط وخاصة الملف النووي الإيراني منذ مجيء الرئيس ساركوزي إلى سدة الحكم الذي يبدي اهتماماً ملحوظاً ورغبة قوية لعودة فرنسا إلى المنطقة.

الهدف من إنضاج هذه الطبخة بالدرجة الأولى هو عزل إيران وإضعاف مراكز نفوذها ونزع أذرعها وإنهاء حلمها في أن تكون قوة عظمى في المنطقة بالتزامن مع رفع سقف العقوبات عليها والاستمرار في تصعيد لهجة التهديد في الخطاب الموجه إليها.

الظروف السياسية في المنطقة قد تكون ناضجة لإتمام هذه الطبخة بجهود استثنائية، فإسرائيل التي تكمن في قلب هذه المشاكل منذ نشأتها قبل ستون عاماً قد اقتنعت منذ عدة سنوات بأن لها حدوداً معينة وليست حدوداً مفتوحة قابلة للترحيل على حساب الجيران فبدأت ببناء الجدار العازل. وهي أكثر استعداداً مما كانت عليه في أي وقت مضى لمقايضة أمنها، على الأمدين القريب والبعيد، وتحييد خصوم يقلقون راحتها يقبعون على عتبة بابها وتحجيم خصوم آخرين يهددون أمنها يقبعون على مسافات بعيدة عنها.

المطلوب من إسرائيل في هذه الصفقة أن تتخلى عن هضبة الجولان ومزارع شبعا، وهي على أي حال ليست من ممتلكاتها، وإبداء بعض المرونة في المحادثات مع السلطة الفلسطينية مقابل أمن لن تستطيع ضمانه بأية وسيلة أخرى، وركائز هذا الأمن هي:

1ـ معاهدة سلام وتطبيع للعلاقات مع سوريا.

2ـ وضع حزب الله في ركن حرج في مواجهة المؤسسة اللبنانية نفسها كي تقوم بنزع سلاحه بدعم لوجستي أميركي - فرنسي كبير. فالاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا هو الحجة الوحيدة المتبقية، أمام الرأي العام اللبناني، بيد هذا الحزب للإبقاء على سلاحه. وفي هذه الحالة ستضع إسرائيل مسؤولية تصفية قوات حزب الله أمام اللبنانيين أنفسهم بدل أن تقوم هي بذلك.

3ـ محاصرة حركة حماس وإضعافها من خلال التوصل مع السلطة الفلسطينية إلى صيغة الحل النهائي للقضية الفلسطينية.

4ـ اعتراف العراق بها كدولة وتطبيع العلاقات معها بضغط أميركي، وهي مقدمة لخروجها من العزلة الإقليمية التي تعاني منها منذ تأسيسها حيث يترتب على ذلك تطبيع العلاقات مع الدول العربية الأخرى وبناء علاقات اقتصادية معها تكون هي المستفيدة منها بالدرجة الأولى.

كبيرة جداً هذه التوقعات ومع ذلك فإن لها فرصاً ليست ضئيلة للنجاح وذلك لأنها واقعية في أطر الوضع السياسي الدولي والعوامل التي تتحكم في مساراته. وستخرج إسرائيل كما خرجت سابقاً من كل عملية تسوية الجهة الأكثر كسباً فأمامها فرص سانحة لابتزاز جميع الأطراف وبضمنها الولايات المتحدة طالما تمتلك أوراقاً كثيرة وهي صاحبة المبادرة في أكثر من ملف من هذه الملفات المعقدة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae