يعاني بعض أفراد المجتمع من أشكال مختلفة من الإعاقات الجسدية التي تمنعهم -جزئيا- من الاندماج في المجتمع والتداخل مع أفراده، إلا أننا نجد كثيرين منهم يبذلون جهودا كبيرة جدا في سبيل تجاوز هذه الإعاقات - وتجاوز الحاجز النفسي الذي يلازمها.

ويحول أحيانا دون اندماج صاحبها مع مجتمعه حتى إن كان يرغب في ذلك بعمق، خصوصا مع السعي الحثيث من قِبَل الجهات المعنية لدمج هذه الفئة في المجتمع كي تقوم بدورها في خدمة وطنها، وهو ما تريده بصدق وحب.

لكن المشكلة الحقيقية للمجتمعات لا تكمن - في رأيي- في أصحاب الإعاقات الجسدية، إنما في أصحاب الإعاقات الفكرية التي تعطل الكثير من الطاقات في سبيل بعض الأفكار المستهلكة التي لا تعد صالحة لهذا العصر الذي نعيشه، وهي أفكار قابلة للتجديد، وتغييرها لا يمسّ الثوابت الدينية في المقام الأول، والاجتماعية في المقام الثاني.

مناسبة هذا الكلام هو انتهاء العام الدراسي وظهور نتائج الثانوية العامة، حيث تنهال الفرص - في مثل هذا الوقت من كل عام- على طلبة وطالبات الثانوية العامة لتشجيعهم، وإغرائهم، بالحصول على منح دراسية في مختلف التخصصات، في أفضل وأعرق الجامعات العالمية، ومع ذلك فإن قلة فقط هم الذين يتفاعلون مع هذه الفرص المتاحة التي يحلم بها آخرون في مناطق أخرى من عالمنا العربي.

الكلام نفسه يمكن أن ينطبق على كثير من خريجي وخريجات مرحلة البكالوريوس في الجامعات المحلية الذين تُتاح لهم فرص استكمال دراساتهم العليا في أفضل الجامعات العالمية، إلا أن حواجز كثيرة تحول دون حصول بعضهم على هذه الفرص التي لا تبعد عنهم إلا مسافة توقيع هو أشبه بالحلم تخطه أنامل ولي الأمر.

أعرف الكثير من الطالبات اللواتي تخرجن في جامعة الإمارات بامتياز، وحلمهن الأول والأخير هو الحصول على منحة لإكمال دراستهن العليا سواء داخل الدولة أو خارجها. وقف الحظ بجانب بعضهن، واستطعن بالفعل إقناع أهاليهن بموضوع السفر والدراسة في الخارج، وهن قلة قليلة مقارنة بالبقية على كل حال.

قلة أخرى استطاعت أن توجد لها بدائل محلية، وذلك بالالتحاق بإحدى الجامعات التي تطرح برامج ماجستير في تخصصاتهن، ولكن ستبقى مشكلة المواصلات أو الإقامة هي العائق الكبير في كثير من هذه الحالات؛ «فالقانون الداخلي» لكثير من العائلات يحظر على بناتها المبيت خارج المنزل -حتى في السكن الداخلي، بوجود مشرفات!!

وعلى الراغبة منهن في الدراسة في إمارة غير إمارتها -مقر سكن العائلة- تدبر أمر المواصلات التي ستقلّها من المنزل إلى الجامعة والعكس يوميا! أو بعدد أيام محاضراتها خلال الأسبوع، مع الإشارة إلى أن معظم الفتيات في مثل هذه العائلات ممنوعات من قيادة السيارات، لذلك تبدو هذه الموافقة المشروطة كأنها تعجيز، أو رفض للطلب ولكن بصورة غير مباشرة.

أعرف أن بعض القراء سيقولون إن بناتنا يقمن في الإسكان الداخلي الخاص بالجامعات المحلية منذ سنوات طويلة، والبعض سيقول إن الكثير من فتيات الدولة سافرن ودرسن في جامعات عالمية وعدن دون وجود عوائق أو مشاكل من هذا النوع، وهذا صحيح.

لكن هذا القول لا يمثل جميع فتيات الدولة، وجميع الراغبات في استكمال دراساتهن العليا، وهذا ما ألمسه عن قرب نتيجة احتكاكي المباشر بالطالبات اللواتي يمثل إكمال دراساتهن العليا هاجسا بالنسبة لهن، لا يمكنهن الوصول إليه إلا بمعجزة أو بمصباح سحري.

ولا شك أن معظمنا يدرك أن الأمر يختلف من عائلة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى أيضا، لذلك لا بد لنا أن نلتفت إلى هذه الفئة من الفتيات اللواتي يرغبن بصدق في استكمال دراساتهن الجامعية أو ما بعد الجامعية، وأن تكون قضيتهن هي شغلنا الشاغل خلال هذه الفترة، لأنهن يمثلن ثروة حقيقية مهدَرة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن مثل هذا الإحساس المحبط الذي يلازم الطالبات خلال دراستهن الجامعية -أي استحالة سفرهن واستكمال دراستهن خارج الدولة، وربما داخلها أحيانا- يضعف أداءهن وتحصيلهن الدراسي، ويقودهن نحو الإهمال واللامبالاة في بعض الأحيان.

ما الذي يمنع بعض الأسر من السماح لبناتها بالسفر لاستكمال الدراسة، في حين يُسمح للابن بالسفر أينما شاء، للسياحة والاستجمام وتجديد النشاط وغير ذلك من الأسباب التي تصدق أحيانا.. وتجانب الصدق أحيانا أخرى؟

وما الذي يجعل إقامة الفتاة في السكن الداخلي الخاص بإحدى الجامعات المحلية -في إمارة غير إمارتها- ممنوعا وغير مقبول، ويكون انتقالها بشكل يومي أو شبه يومي من إمارة إلى أخرى والعودة مرة أخرى في اليوم نفسه أكثر قبولا عند البعض؟

هل الخوف على الفتاة نفسها، أو من الفتاة؟ هذا سؤال يطرح نفسه بقوة، خصوصا بعدما أثبتت الدراسات العلمية تفوّق الإناث -دراسيا- على الذكور.

أدرك أن الأمر ليس ببساطة عرضه هنا، وأن ما يقبع خلف هذا الرفض وهذا التضييق على الفتيات في بعض العائلات له إرثه الاجتماعي، ولكن إلى أي حد نحن مطالبون بالتمسك بهذا الإرث دون مراجعة وإعادة نظر فيه.

إذا كانت الأسباب الدينية التي تُثار دائما في مثل هذه المسائل قد وُجدت لها المخارج الشرعية التي لقيت قبولا ما، مع وجود آراء أخرى رافضة لها طبعا، فيبدو لي أن العوائق الاجتماعية لا تزال في حاجة إلى البحث عن مخارج جذرية لها، تفكّ الحصار عن رئة شريحة كبيرة من أفراد المجتمع، تحتاج أن تتنفس هواء العصر الذي تعيشه، لا هواء عصور مضت واندثرت.

أعود لأختم بما بدأتُ به حديثي هذا، وهو أن أصحاب الإعاقات الجسدية لديهم فرصة أكبر للاندماج بالمجتمع الذي يسير في معظم جوانبه قدما نحو الأمام، وعدد كبير منهم لديه هذه الرغبة، ويسعى بالفعل لتجاوز هذا الوضع الذي لم يختره بنفسه.

ولكن أصحاب الإعاقات الفكرية والنفسية فرصهم ستكون أقل بكثير من هؤلاء، لأنهم هم الذين اختاروا أن يكونوا سجناء فكر لم يسهموا في بنائه، وليست لديهم الرغبة الحقيقية في إعادة التفكير فيه، وتجاوز الثغرات التي الناتجة عن عملية المراجعة.. التي قد تكون صادمة لهم.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com