تنفرد دولة الكويت بما يسمى باستراتيجية الاستثمار للأجيال القادمة والذي يعرف «بصندوق الأجيال» الذي وصلت أصوله حالياً إلى حوالي ربع تريليون دولار، ويستثمر في هذا الصندوق جزء من عوائد النفط السنوية يقدر بنحو عشرة بالمئة.
ولعل التجربة نفسها رائدة في المنطقة العربية ولا سيما في الخليج تحديداً لأن الكويت كانت سباقة في الإعلان عن إنشاء الصندوق في فترة باكرة من سبعينات القرن المنصرم، تديره هيئة وطنية هي هيئة الاستثمار الكويتية.
وكان لهذا الصندوق أثر في إحداث فارق لمواطنيها إبان الغزو العراقي حيث بلغت استثمارات الكويت في تلك الفترة مئة مليار دولار أميركي مكّن الحكومة الكويتية من إعالة مواطنيها وتأمين احتياجاتهم من تأمين صحي وتعليم ومسكن.
فالكويت اليوم تعد جزءا من عالم الأموال الالكترونية ولاعبا أساسيا في خارطة الاقتصاد العالمي، ونتيجة هذا التصاعد في الاستثمارات الضخمة التي تقودها الكويت خارجيا من خلال صندوق الأجيال، فان أصوات خبراء الاقتصاد في كثير من دول الخليج بدأت تنادي بتعميم هذه التجربة النوعية ولاسيما في الدول التي تتمتع الآن بفوائض غير متوقعة من النفط مثل الإمارات والسعودية.
ولعل التنويعات الاستثمارية التي تتبناها دولة الإمارات من مشروعات اقتصادية عملاقة صناعية وتجارية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود صندوق أجيال باسم دولة الإمارات.
بخاصة وان هناك تفاوتا بين مستويات الدخل بين الإمارات المختلفة، فالمشروعات الاقتصادية في الدولة لا تزال على النطاق المحلي، وتتركز بالدرجة الأكبر في إماراتي أبوظبي ودبي التي أطلقتا عددا من المشروعات الضخمة التي غيرت من المفهوم السائد للدخل وتبنت استراتيجيات مشجعة على الاستثمار في قطاع الصناعة ولا سيما الثقيلة منها.
ولكن تبقى فكرة صندوق الأجيال بمثابة القاعدة التي يمكن أن يقوم عليها اقتصاد ثابت بعيداً عن التذبذبات في أسعار النفط ويحقق في الوقت نفسه طفرة في عوائد الاستثمار الأمثل دون مخاطرة من أجل مستقبل الأجيال القادمة التي يمكن أن ترى النور بعد نضوب البترول.
وبالتالي لن تحظى بنفس مكتسبات الطفرة النفطية التي يعيشها أبناء المرحلة الحالية، ولعل الصندوق نفسه ليس ببدعة فالعديد من الدول المتقدمة قد تبنت الفكرة ذاتها لضمان استمرارية النمو الاقتصادي والمحافظة على مستوى معيشي مناسب.
وتعتبر السويد من الدول التي تستثمر عوائد إنتاجها منا لنفط في صندوق الأجيال القادمة كما هو الحال في النرويج التي تعد ثالث أكثر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية وروسيا إلا أن فكرة الاستثمار في الصندوق جاء تحسبا لليوم الذي تنضب فيه موارد النفط والغاز.
ورغم ان تبني فكرة إنشاء الصندوق لم تعد ترفا فكريا بقدر ما هي ضرورة ومطلب وطني يمكن أن يشكل نواة لشراكة محلية واتحادية في مشروعات قادمة تعود بريعها على المواطن والوطن، ما يعزز الهوية الوطنية ويذيب الفوارق التي قد تؤخر مسيرة النهضة في مختلف إمارات الدولة، فكيان دولة الإمارات يستمد قوته من أبنائه بغض النظر عن مرجعيتهم القبلية.
لذا فإن تعزيز هذه الهوية يتطلب القضاء على أي مشاعر بالنقص أو بعدم المساواة بين مختلف الإمارات، ولعل وجود مثل هذا الصندوق سيبث في نفوس المواطنين الثقة بأن المستقبل سيكون أفضل وأكثر أمانا في ظل استراتيجية بعيدة المدى تعمل اليوم من أجل الغد.
ولعل فكرة الادخار للجيل القادم تستلزم توظيف الخبرات ووضع آليات تنفيذية على مستوى عال من المرونة تدير هذه الأموال بعقلية اقتصادية بحتة، بما يضمن تناميا حقيقيا لأصول هذا الصندوق، ويحقق في الوقت نفسه انعكاساً ايجابيا على رفاهية الأفراد في مختلف المجالات ولاسيما الصحي والتعليمي والخدمي.
الدولة تعيش مرحلة طفرة اقتصادية غير مسبوقة نتيجة ارتفاع عائدات النفط، إضافة إلى فائض الميزانية العامة وفوائض الصناديق الاستثمارية الحكومية والخاصة التي تعيش في عصرها الذهبي في ظل أرباح سنوية ضخمة دون أن يكون لها أي مساهمة تجاه المجتمع.
فمع وجود الصندوق يمكن أن تساهم مختلف المؤسسات في تعزيز الاقتصاد فقد آن الأوان ان يقوم القطاع الخاص بدوره تجاه المظلة الآمنة التي أعطته أرضية كي يكبر دون أن تحظى بمردود مناسب، بل ان الدولة أصبحت بمثابة المحمية لرؤوس الأموال المهاجرة لتتضخم وتنمو وتزدهر ثم يذهب الجمل بما حمل.
لذا لابد من إعادة سن بعض التشريعات والقوانين التي يمكن أن تصيغ العلاقة بين القطاع الحكومي والخاص في ظل رؤية مستقبلية تضع مستقبل الأجيال القادمة نصب أعينها، وبعيداً عن توفير الأموال للأجيال القادمة فان الصندوق سيوفر الامان حتى للجيل الحالي لان عامل الأمان هو العامل الوحيد القابل للتغير.
وهذا ما يتلمسه المتابع العادي للأحداث السياسية في العالم بشكل عام فوجود الصندوق سيشكل الأمان الاجتماعي تحسبا لمختلف الظروف، واستلهام التجارب النوعية في مجال الاستثمار سواء من الكويت أن النرويج أو حتى ما تمثله هيئة أبوظبي للاستثمار في خارطة الاقتصاد العالمي والتي تعد أكبر صندوق سيادي في العالم بأصول تقدر بحوالي 875 مليار دولار، ستوفر مصلحة متواترة لخدمة الحاضر والمستقبل ورفد الاقتصاد الحكومي بعناصر قوة.
ويمكن القول ان حصيلة التجربة المميزة لدولة الإمارات بخاصة كونها دولة ريعية بامتياز يمكن أن تنجح في ادارة مثل هذه الصناديق بامتياز وبعقلية احترافية ولكن يبقى تبني قرار رسمي مدروس يوظف ويدير الأموال الفائضة بحيث يضمن الفرد عوائد مستقبلية ويضمن الوطن تنويع الاصول الاستثمارية.
كاتبة إماراتية