كنا نعتقد سابقا أن الدول الرأسمالية الكبرى تسعى بشغف لجذب أموال الدول الأخرى إلى أسواقها، وكانت قوة اقتصاديات هذه الدول تقاس بقدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى أسواقها.
ولكن على ما يبدو أن الأمر ليس كذلك، وأن القول بفصل الاقتصاد عن السياسة هو مجرد وهم وكذب في النظام الرأسمالي العالمي الذي يوجه الاقتصاد العالمي لخدمة مصالح مجموعة معينة من الدول على حساب باقي دول العالم، ونتذكر مقولة أحد خبراء الاقتصاد الأميركي وعضو ديمقراطي بارز في الكونجرس .
وهو يقول «إنهم مستعدون لقبول دخول المخدرات للولايات المتحدة لكنهم لا يقبلون دخول أموال واستثمارات بعض الدول »، كما نتذكر هنا عندما حاول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إقناع روسيا في التسعينات بأن توجه استثماراتها وأموالها للغرب حيث الاستثمارات المتميزة التي تعود على الاقتصاد الروسي بعوائد وأرباح هائلة.
ولكن لا ننسى أن روسيا في التسعينات الماضية ليست روسيا الآن، فقد كانت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أشبه بفريسة يتهافت عليها الجميع، وكانت من الضعف والانهيار بالدرجة التي لا تستطيع معها مقاومة عمليات النهب الكبيرة لثرواتها، ولهذا فلم يكن هناك خوف منها سياسيا.
ولا مانع من تدفق أموالها تجاه الغرب، أما الآن فقد اختلفت ألأوضاع تماما بعد أن أصبح الاقتصاد الروسي عام 2008 واحدا من أكبر عشرة اقتصادات في العالم ومرشح لاحتلال المركز السادس قريبا ليتفوق على اقتصاد بريطانيا العظمى.
ولكن هذا الأمر لم يجلب لروسيا الرضا والقبول من الغرب، بل على العكس شكل مصدر خوف وقلق كبيرين من زيادة النفوذ الروسي في الأسواق العالمية وأصبحت عملاق الطاقة الأول في أوروبا الذي يتوسل إليه الجميع ويسعى لكسب رضائه طمعا في تزويده بالطاقة من الغاز والنفط.
روسيا تواجه حاليا ظاهرة سيئة بالنسبة لها. فقد أخذ يتزايد عدد البلدان الغربية التي بدأت تتعامل مع الاستثمارات على أساس قومي عنصري، حيث يعتبر البعض في الغرب الأموال الروسية غير مرغوب بها وحتى خطرة.
منذ أيام قليلة أعلن رئيس لاتفيا فالديس زاتليرس أن الاستثمارات الروسية خلافا للغربية تشكل خطرا يهدد استقلال بلده سياسيا واقتصاديا.
ولا شك في أنه تتوفر لديه مسوغات معينة لقول هذا. فمن المستبعد أن تنسى لاتفيا محاولات إرغامها على حل مشكلة السكان الناطقين بالروسية في لاتفيا المغبونة حقوقهم المدنية واللغوية والمعاملة السيئة التي يلقونها من السكان اللاتفيين وإهمال الجهات الأمنية لشكواهم، وهو الأمر الذي ردت عليه روسيا بإجراءات منع استيراد معلبات الأسماك ومنتجات الألبان اللاتفية.
أيضا بولندا التي اتخذت سياسات مضادة للمصالح الروسية في السنوات الأخيرة ورحبت باستضافة الدرع الصاروخي الأميركي على أراضيها وقفت في الاتحاد الأوروبي في العام الماضي ترفض توقيع اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وروسيا، وكانت حجتها أن روسيا أوقفت استيراد اللحوم البولندية.
و إذا كانت بولندا ولاتفيا من الدول الصغيرة التي ربما لا يؤثر موقفها ولا يشكل أهمية كبيرة لروسيا، فإن هناك دول كبيرة تبدي نفس التخوف من روسيا ونفوذها الاقتصادي، ومن هذه الدول الولايات المتحدة وألمانيا، حيث تتخذ على المستوى التشريعي في هاتين الدولتين إجراءات للحد من مشاركة الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الاقتصاد الأساسية.
ويؤكد المشرعون في الولايات المتحدة وألمانيا أن هذه القوانين تصدر من أجل حماية النظام الاقتصادي والسياسي من الضغط الفائض والتجسس الصناعي من جانب الصين وروسيا، وكأن روسيا والصين لا يهدفان من وراء توجيه أموالهما واستثماراتهما للغرب سوى التجسس وممارسة الضغوط السياسية، إنها رواسب أفكار وسياسات الحرب الباردة التي لم يستطع الغرب بعد التخلص منها..
حاليا تواجه روسيا عمليا إعادة نظر من جانب البلدان الغربية في المواقف من الاستثمار المباشر الروسي في أسواقها. وتعتبر بعض تلك البلدان شراء الروس للمؤسسات في أسواقها تهديدا للأمن القومي، وليس آلية للتنمية وتوفير تكنولوجيات وفرص عمل جديدة كما يدعون في ترويجهم لاقتصاد السوق وسياسات العولمة.
كاتب ومحلل سياسي روسي