رحل الفنان القدير محمد الجناحي عن دنيانا، قامة من قامات الدراما في الإمارات، ترك مسيرة فنية متراكمة في أرشيف التلفزيونات والإذاعات، عرفه الجمهور ممثلاً برز نجمه في المسلسل الشهير اشحفان، لكن الجناحي كان مخرجاً إذاعياً أيضاً راكم مجموعة من الأعمال الدرامية الإذاعية حينما كان يقف في غرفة الإخراج في إذاعة أبوظبي ويوجه الممثلين.
عرفته عن قرب قبل 15 سنة، كان معلماً لم تدفعه نجوميته وأستاذيته إلى الغرور والتعالي، كان صديق الجميع يهتم بالشباب ويقف مع الذين يجربون أدوارهم الأولى في الدراما ولا يبخل بالنصح.. كان مثال الالتزام في مواعيده وأشد حرصاً وهو يدقق في النصوص المقدمة إليه، همه الأوحد مع الورق ان هذا يجوز وهذا لا يجوز، مدافعا عن تفاصيل العادات والتقاليد في اي مشهد يحضره اثناء التنفيذ، همه كما كان يقول دائما ان ترقى الدراما الإماراتية وتصبح الأولى في المنطقة لأننا نمتلك كافة المقومات.
بحث في التراث وفي حياة الأولين، ساهم في كتابة أعمال إذاعية وتلفزيونية عديدة، كان هدفه فيها نقل حياة الماضي إلى الجمهور بكل دقتها وتفاصيلها الحقيقية.
الجناحي أيضا كان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وهذا ما جعله يشارك في تجارب سينمائية مع مخرجين أجانب، عشق المسلسلات البدوية ولهذا كان لصيقا بالدراما الأردنية حيث شارك مع كبار الممثلين العرب في مسلسلات بدوية عديدة.. ولطلاقة لسانه في اللغة العربية وقواعدها ولصوته الرخيم قدم الجناحي أعمالا باللغة العربية الفصحى، وكان الأستاذ بين الممثلين يدقق في قواعد اللغة وفي سلامة النطق ولا يسمح بعبور حتى الأخطاء الشائعة.
في بيته كان يستضيف دائما أصدقاء دربه القدامى وأيضا من هم في جيل الشباب من الممثلين، ولا يتوقف الجناحي عن الحديث عن التفاصيل المهمة في الدراما، حول بيته في منتدى للحديث عن الهموم الفنية، وعن كيفية إخراج الدراما المحلية من ركودها حينما أصابها الركود.. والجناحي كان أول من يبادر بتهنئة زملائه الفنانين عند صدور أعمالهم الفنية، او نجاح احدهم في نيل جائزة او شهادة تقدير. عرفته المهرجانات العربية كلها وتربطه علاقات وثيقة بمخرجين وكتاب وممثلين في أرجاء الوطن العربي.
رحل الجناحي وترك لجمهوره ذكرى في مسلسل «حظ ونصيب» الذي ستعرضه قناة سما دبي في شهر رمضان المقبل، ويقدم فيه دور قاضي القرية وحكيمها.. في السنوات الأخيرة كتب نصوصا درامية وراكمها وانتظر طويلا أن تنال فرصتها من التنفيذ، لكن رغم ذلك كان عصاميا، فناناً مثقفاً، عاش برغم سنه بروح الشباب، متجدد الأمل، صريحاً، جريئاً.. حمل هم تطوير الدراما.
وطالب كثيرا بضرورة أن تلتصق مواضيعها بالأصالة والعادات والتقاليد، وكان له رأي صريح في المسرح الذي ابتعد عنه في سنواته الأخيرة حيث كان يردد.. المسرح الذي لا يقترب من همومنا المحلية لن تجدوا له تأثيرا ولا انتشارا.. اقتربوا كثيرا من الواقع، فتشوا عما يقلق الجمهور ويؤرقهم، تنجحوا. كان دائما يكرر وجهة نظره هذه داعيا إلى عدم التعالي على الجمهور في أساليب الطرح والمعالجات الفنية..
رحل الجناحي وبقيت صورته في أرشيف المحطات الإذاعية والتلفزيونية.. رحمك الله «يابونواف».
