اتفاق التهدئة بين قطاع غزة وإسرائيل الذي تم بوساطة مصرية حثيثة ودخل حيز التنفيذ العملي صباح يوم الخميس الماضي، التاسع عشر من الجاري، يثير الكثير من الأسئلة والتكهنات بشأن دوافع وأهداف الطرفين، وإمكانية استقرار هذا الاتفاق خلال الأشهر الستة التي جرى الحديث عنها، وأيضاً انعكاس ذلك على الحوار الفلسطيني وعلى مفاوضات السلام المتعثرة.
على المستوى الإسرائيلي، فإن هذا الاتفاق ينطوي على أبعاد تكتيكية لحظية، طالما أن حكومة أولمرت لا تزال محكومة لأزمتها، والتحولات في المواقف بين الكتل والأحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي.
حتى اللحظة الأخيرة، كان حجم التناقضات بين من يتحمس في الحكومة الإسرائيلية بما في ذلك رئيسها ايهود أولمرت لعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، وبين من يعطي الأولوية للتهدئة مع تأجيل مؤقت للعملية العسكرية، كان حجم التناقضات بين الموقفين ظاهراً، ويرجح لصالح ذوي الرؤوس الحامية.
أولمرت ظل يتهم وزير دفاعه ورئيس حزب العمل إيهود باراك، بإعاقة تنفيذ الحملة العسكرية على قطاع غزة، وكذلك فعل نائبه حاييم رامون، مما يعني أن ثمة تسوية ما واشتراطات معينة، جعلتهما يرضخان لإرادة باراك، الذي يستخدم اتفاق التهدئة كسيف مسلط على رأس أولمرت، إلى أن ينجح حزب "كاديما" في أن يختار خلفاً لرئيسه أولمرت كمؤشر على مستقبله السياسي، وربما بما يضمن في كل الحالات إجراء انتخابات مبكرة ظل باراك يسعى من أجلها.
في الواقع ومنذ انضمامه إلى الحكومة، قدم باراك نفسه بديلاً لأولمرت، وباعتباره الأقدر على إبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين، والأقدر على استعادة هيبة الجيش الإسرائيلي التي نالت منها نتائج الحرب الإسرائيلية الفاشلة على لبنان قبل سنتين، وانطلاقاً من ذلك لم يوفر باراك فرصة لإضعاف أو إزاحة أولمرت من الطريق.
اتفاق التهدئة الحصري على جبهة قطاع غزة، لا يمكن أن يتمتع بالاستقرار لفترة طويلة، فبحسب التجارب السابقة، تعمدت إسرائيل وقتما تشاء وترى أن مصلحتها تقتضي وضع حد للتهدئة، أن تقوم بتصعيد اعتداءاتها في الضفة الغربية مما يؤدي إلى ردود أفعال من قبل الفصائل في قطاع غزة.
نقصد بذلك أن إصرار إسرائيل على حصر التهدئة بقطاع غزة، فضلاً على أنه ينطوي على أبعاد سياسية وقانونية مرتبطة بمصالح وسياسات إسرائيل التي تقتضي بتعميق ظاهرة الفصل والانقسام بين القطاع، والضفة الغربية، نقول فضلاً عن ذلك فإن عدم شمولية التهدئة يجعل مصيرها دائماً مرتبطا بالأهداف والتكتيكات الإسرائيلية.
إذا كان هذا هو عامل التفجير الدائم في اتفاق تهدئة غير دائمة، فإن مصير هذه التهدئة أيضاً قد يكون مرتبطاً من ناحية بتطورات الأزمة الحكومية في إسرائيل، وبنتائج الوساطة المصرية بشأن التوصل إلى صفقة لإنهاء ملف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والذي تتواصل الجهود المصرية بشأن إبرامها في أسرع وقت ممكن.
إذا كان الأمر كذلك فإن إسرائيل ستعاود محاولاتها لابتزاز الموقف الفلسطيني من أجل الإفراج عن شاليط مقابل أبخس ثمن، وإلا فإن إسرائيل ستماطل بشأن تخفيف الحصار وفتح المعابر التجارية مع قطاع غزة، باستثناء معبر رفح الذي يحتاج إلى اتفاقات وترتيبات منفصلة، مما يعني أن الفلسطينيين قد لا يحصلون على ثمن التهدئة وفقاً لما جاء في الاتفاق بشأنها.
على الصعيد الفلسطيني، خصوصاً ما يتصل بحركة حماس، فإنها تشعر بالزهو إذ أن صمودها لمدة عام كامل منذ الانقلاب في 14/6/2007، مع حصار مشدد وعدوان لم يتوقف، قد أتى بعض ثماره، حيث تضطر إسرائيل للاعتراف بالأمر الواقع والتعامل معه حتى ولو بطرق غير مباشرة، من خلال الوساطة المصرية.
أكثر من هذا فإن حركة حماس التي تتهيأ لخوض معركة الحوار الفلسطيني من أجل إنهاء الانقسام، وإعادة بناء الوحدة الفلسطينية، ستذهب إلى هذا الحوار من موقع أقوى، فالحصار سيتم تخفيفه، وهي لا تزال تحتفظ بكامل قوتها وسيطرتها على قطاع غزة، مما يمكنها من تحجيم الثمن الذي يترتب عليها أن تدفعه، على طاولة الحوار مع حركة فتح والفصائل الأخرى.
وخلال فترة التهدئة سواء كانت يوماً أو أسبوعاً أو شهراً أو أكثر من ذلك، ستثبت حركة حماس أنها صاحبة قدرة والتزام، ذلك أنها معنية بإقناع الفصائل الأخرى أو إرغامها على مراعاة عدم خرق التهدئة لأي سبب كان.
على هذه الخلفية بادرت حماس للاتصال بالفصائل الأخرى وحصلت على تعهد منها بعدم خرق التهدئة، خصوصاً حركة الجهاد الإسلامي، التي سجلت تحفظات قوية على الاتفاق، لكنها أعلنت أنها ستعطي الفرصة، مراعاة لوحدة الموقف الفلسطيني، والتزاماً بمصلحة الناس الذين يتطلعون إلى أن يؤدي الاتفاق لتخفيف معاناتهم وكل ذلك بدون أن تتنازل عن حقها في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية.
نلاحظ هنا تبدل المواقف والالتزامات تبعاً لتبدل مواقع المسؤولية، فحركة حماس التي تظهر حرصاً منقطع النظير على نجاح التهدئة لأنها في موقع المسؤولية الأولى وربما الحصرية عن قطاع غزة، لم تكن على هذا القدر من الحرص حين كانت حركة فتح على رأس السلطة وكان وضع القطاع غير ما هو عليه اليوم.
لعل من المهم هنا التعرف على طبيعة الاستثمار الفلسطيني لفرصة التهدئة، خصوصاً وأن التهدئة لا تنطوي على أبعاد سياسية برنامجية، كما أنها ليست هدفاً بحد ذاته، بقدر ما أنها وسيلة والأساس لاختراق جدار الحصار الإسرائيلي والدولي والعربي المفروض على حركة حماس وعلى قطاع غزة عموماً.
وفيما يرى البعض أن التهدئة ستمنح حماس موقفاً أقوى في إطار الحوار الفلسطيني الداخلي، الذي يوشك على الانطلاق، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى عرقلة الحوار أو تعطيله، فإن واقع الحال يشير إلى أن مبادرة الرئيس محمود عباس بشأن الحوار واستجابة حماس والآخرين لها، تشكل بداية مرحلة من الصعب العودة عنها، أو أن يتحمل طرف مسؤولية إفشالها.
فالدعوة للحوار وإنهاء الانقسام جاءت تتويجاً لنضج الظروف والمواقف الفلسطينية وبعد أن تأكد كل طرف أنه فشل في تحقيق مشروعه، وأنه غير قادر لوحده على مجابهة الاستحقاقات الصعبة والتي تنتظر الجميع وتحيط بهم من كل جانب، فلقد فشل مشروع حماس بشأن السلطة المقاومة وفشل أيضاً مشروع فتح بشأن السلطة المفاوضة، الأمر الذي يفرض كأولوية التهدئة وإنهاء الانقسام في الساحة الفلسطينية.
كاتب فلسطيني
