أذكر في أيام الدراسة زميلا لنا سأل معلم الرياضيات بعد شرح طويل لمسألة حسابية في التكامل والتفاضل، لماذا ندرس هذه الأشياء؟ هل سنسأل عنها حينما نعمل وتصبح لدينا وظائف، يومها ضحك المعلم وضحكنا جميعا ثم واصل المعلم شرحه للدرس دون أن يدير بالاً أو يجيب عن سؤال زميلنا الذي يبدو انه شعر بالإحباط لأن الجميع وبمن فيهم المدرس قد اخذ سؤاله على محمل الهزل لا الجد..
هذا الطالب حصل في تلك السنة على دور ثان في مادة الرياضيات ثم عبر السنة الدراسية بعد أداء الامتحان بشق الأنفس. وأتوقع انه إلى اليوم لم يجد هذا الطالب إجابة عن سؤاله، ولا يعرف حتى اليوم لماذا يدرس الطلبة العمليات الحسابية المختلفة على اعتبارها أساسا مهما يقوم عليه المنطق الرياضي الذي يتشابك مع بقية العلوم ويؤسس خبرة علمية وعقلية تقنية.
في نظامنا التعليمي هناك خلل في فهم طبيعة الأدوار، فكثير من المدرسين يعتبرون مهنة التدريس مجرد «أكل عيش» وفي الإطار العام يجد الطالب نفسه وكأنه المغصوب على المعرفة، وان كل دروسه وفروضه المدرسية مبعث شقاء، لا مبعث فرحة اكتساب معرفة وتفتيح مدارك، لأنه وبصراحة بقي النظام التعليمي لسنوات طويلة نظام كتاتيب لكن مع تحسينات حضارية من الخارج!! لا من اللب، المدرس مهنته «يشرح»، الطالب مهمته «الإنصات» والنقل.
وغابت عملية التفاعل والمشاركة الحقيقية لأن بناء شخصية الطالب صارت في آخر قائمة الاهتمام والتركيز، والعلاقة الحقيقية التي يفترض أن تنشأ بين الطالب ومعلمه غيبتها كثير من العوامل التي ورثناها عن أساليب قديمة..
اليوم ومع دخول مناهجنا ونظام التعليم عندنا إلى مراحل عديدة من التطوير، بل ومروره بفترات تجريب وقياس واختبارات ومع الإصرار على السير باتجاه إستراتيجية تعليمية تؤمن مخرجات مفيدة في عملية البناء وتطوير الطاقات البشرية الخلاقة، والوصول إلى تعليم نوعي يلبي الاحتياجات.
فمن الضروري العمل في الاتجاهات جميعها، نحن نطور المنهج، نطور طالب العلم في ترسيخ مفهوم البحث المعرفي لديه، نطور المعلم الذي يجب أن ينتقل من وضع الملقن إلى وضع المحرض على البحث والاكتشاف وربط ما يقوله وما يقوم به أمام طلبته بتفاصيل الحياة..
صحيح هذا الأمر لا يغيب عن بال خبراء التعليم، لكن أن تتحول النظرية إلى واقع هو الأهم وهو الأصعب.. بالأمس طمأننا معالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم عن الدور المهم المنتظر من أن مجلس تنسيق وتكامل التعليم سيكون ركيزة أساسية في خلق نقلة نوعية في مسيرة التعليم من خلال ما سيوفره من ظروف تكاملية تربط أجنحة التعليم ومؤسساته من اجل مخرجات نوعية تلبي احتياجات المجتمع..
وتلغي الهوة الكائنة بين مخرجات المدارس ومتطلبات الكليات والجامعات في نوعية الطلبة ومقدراتهم العلمية. هذا التطمين وهذا التعويل الكامل على مهمة المجلس نأمل أن يذهب إلى مداه المنشود، لأنه وبصراحة وبعد فترة طويلة ومراحل عديدة من التجارب في قطاع التعليم آن الأوان أن نستغل خبراتنا الحقيقية للوصول إلى ما نريد في نوعية مخرجات التعليم.
