نشهد منذ عدة سنوات عودة حقيقية للحرارة، رغم واشنطن، في العلاقات بين تركيا وسوريا. هذا مع التذكير أن الدولتين كانتا على وشك المواجهة العسكرية في خريف عام 1998. كان مصدر ذلك التوتر الكبير هو الحماية التي منحتها السلطات السورية آنذاك لعبد الله أوجلان، رئيس حزب العمال الكردي الذي تعتبره تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.

وبعد الوصول إلى اتفاق بين الدولتين سعت إليه تركيا، جرى طرد أوجلان من سوريا. ثم تمّ توقيفه بعد عدة أشهر في كينيا عند خروجه من السفارة اليونانية. لقد حُكم عليه بالإعدام ثم جرى تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد.

لكن مؤشرات عديدة استجدّت بعد ذلك وأظهرت دينامية المبادلات الودّية بين تركيا وسوريا ؛ ومن أهم هذه المؤشرات توقيع اتفاقين للتعاون العسكري في شهر يونيو ـ حزيران عام 2004، أي فقط بعد أربع سنوات من الأزمة الكبرى المشار لها.

ومؤشر آخر عبّرت عنه الانتقادات العنيفة التي وجهها عبد الله غول عندما كان وزيرا للخارجية حيال العقوبات السياسية والاقتصادية التي اقترعت الولايات المتحدة عليها ضد سوريا بسبب «مسؤوليتها» في لبنان ؛ ومؤشر ثالث تمثّل في تعدد الزيارات على مستوى عال، وخاصة الزيارة التي قام بها الرئيس بشار الأسد بين 6 و8 يناير ـ كانون الأول 2004 والتي كانت الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس سوري إلى تركيا.

ولم تأت المفاجأة الحقيقية أثناء تلك الزيارات من التصريحات السورية بمقدار ما جاءت من المواقف الدبلوماسية لتركيا التي أظهرت توددا كبيرا حيال القادة السوريين ؛ وذلك رغم الغضب الكبير للقادة الأميركيين. وفي شهر فبراير ـ شباط من عام 2005 أثار موقف السفير الأميركي في أنقرة «إيريك أيدلمان» ردود فعل عنيفة في تركيا.

وكان ذلك السفير لم يتردد في التدخل بالشؤون الداخلية التركية عندما أعرب علانية عن عدم موافقته على زيارة محتملة يقوم بها الرئيس التركي أحمد نجدت سيزير إلى دمشق. لقد كانت موجة الغضب كبيرة إلى حد أن السفير فقد منصبه ولم يمنع الزيارة الرئاسية التركية في لحظة كانت فيها سوريا منبوذة جدا من قبل المجموعة الدولية.

هذه الأمثلة كلها تدل بوضوح على عودة حقيقية للحرارة في العلاقات بين البلدين ؛ الأمر الذي يتم التعبير عنه خاصة في رؤية مشتركة غالبا حول القضايا الإقليمية الدقيقة. هكذا دعتا الدولتان مرارا وتكرارا لإنهاء احتلال العراق وانتخاب إدارة من قبل الشعب العراقي بحيث تتمثّل فيها جميع مكونات المجتمع بشكل عادل، والتأكيد على وحدة التراب العراقي والإعراب عن وجهة نظر متقاربة حول المسألة الكردية.

حول هذا الملف الأخير حصلت أنقرة على الدعم الصريح لدمشق، خاصة عندما أجاز البرلمان التركي بتاريخ 17 أكتوبر ـ تشرين الأول مبدأ القيام بعملية عسكرية عبر الحدود ضد عناصر حزب العمال الكردي المختبئين في جبل قنديل وأيضا عندما تدخل الجيش التركي في شمال العراق خلال شهر فبراير ـ شباط من عام 2008.

لقد بدا بوضوح أن العاصمتين تربحان على طول الخط من تحسين علاقاتهما. فأنقرة ترى في ذلك مناسبة لتحسين صورتها لدى الرأي العام العربي، خاصة أن سوريا تمثّل بالنسبة للكثير من العرب، منذ نهاية العراق «المستقل»، آخر عرين للمقاومة في عالم عربي يتعرّض ل«التهديد الأميركي ـ الإسرائيلي».

وبالنسبة لسوريا، ونظرا للضغط المستمر الذي تمارسه إدارة جورج دبليو بوش عليها، فإن الميزة التي تجنيها من تحسين العلاقات مع تركيا هي ذات طابع إستراتيجي، فالتقارب مع أنقرة يساهم في تحاشي المصير الصعب الذي يتنبأه لها القادة الأميركيون.

على الصعيد الاقتصادي ساهم تحسين العلاقات في تسهيل إبرام عدة اتفاقات وفتح السبيل أمام مرور المياه التي تمتلك تركيا كميات وفيرة منها لكن غير المستغلّة عمليا بسبب عدم وجود أسواق لها. وفي شهر مارس ـ آذار من عام 2008 قررت تركيا وسوريا والعراق إنشاء هيئة مائية من أجل حل الخلافات المتعلقة باقتسام مياه نهر الفرات ؛ وكانت هذه المسألة قد أثارت سابقا العديد من التوترات.

إن سوريا هي البلد الأول الذي قبل ذلك الاقتراح التركي ، كما وقّع البلدان أيضا اتفاقات للتعاون في ميادين الجمارك والصحة والطاقة بحيث أن الهدف المعلَن هو أن تصل قيمة العقود الموقعة إلى ما بين 2 و3 مليارات دولار على المدى القصير، لكن دون تحديد أي أجل محدد.

كاتب ومحلل سياسي فرنسي

Professorrabie@yahoo.com