«شيء لا يصدقه عقل»، كان هذا هو تعليق الكثيرين ممن حضروا منتدى بطرسبرغ الاقتصادي الدولي منذ أيام عندما سمعوا الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف وهو يعلن أن روسيا ستصبح قبل نهاية العام الجاري 2008 سادس اقتصاد في العالم، مما يعني هبوط بريطانيا للمركز السابع، وإذا كان الاقتصاد البريطاني قد حقق مكانته بعد نحو قرنين أو أكثر من عمر أكبر إمبراطورية استعمارية في التاريخ.
هذه الإمبراطورية التي قيل عنها سابقا أنها «لا تغيب عنها الشمس»، فكيف لروسيا التي كان اقتصادها منذ سبعة أعوام فقط منهارا تماما والتي لم ترث من الاتحاد السوفييتي سوى المشاكل والأزمات الحادة والعملة الورقية «الروبل» عديم القيمة تماما، كيف لها أن تنهض في هذا الوقت القياسي لتدخل مجموعة السداسية الغنية في العالم .
البعض يرى أن الطفرة الهائلة في أسعار النفط والغاز هي السبب، ولكن ماذا فعل الغاز والنفط لروسيا في التسعينات عندما كان اقتصادها لا يدخل ضمن الاقتصاديات الخمسين الأوائل في العالم؟..لقد كان النفط والغاز والثروات كلها موجودة في التسعينات، ولكن لم تكن هناك إدارة لاقتصاد الدولة الذي وضعت عصابات المافيا أيديها عليه تماما ولم يكن يصل منه للدولة ولا خمسة في المئة من عوائده.
ما حدث في الأعوام السبعة الماضية في روسيا _ كما وصفته مجلة التايم الأميركية عند اختيارها بوتين شخصية العام 2007 - هو أشبه بالمعجزات، إنه الإحساس بالإهانة والتصميم على الصعود والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، وهذه العناصر الثلاثة لم تكن موجودة في سنوات التسعينات، على الرغم من أن الثروات الطبيعية كلها كانت موجودة ولم يزيد عليها شيء في الأعوام السبعة الماضية .
وليس غريبا أن يقف الرئيس ميدفيديف ليعلن أن روسيا ستساعد العالم في حل الأزمة المالية وأن موسكو ستتحول إلى مركز مالي عالمي قوي، وأن الروبل سينافس الدولار كعملة احتياط، وأن روسيا ستساعد الدول الفقيرة في مواجهة أزمة الغذاء، و يتحدث وزير المالية الروسي ألكسي كودرين في المنتدى يشير إلى إمكانية تحول الروبل الروسي بعد عام ونصف العام إلى عملة احتياط إقليمية.
ويكفي دليلا على ذلك أن صندوق الاستثمار الصيني يودع الأموال بالروبل، وهذا يدل على الثقة العالية في الروبل الآن، وها هي ودائع المواطنين الروس ومدخراتهم تتحول بنسبة كبيرة للعملة المحلية بينما الدولار يهبط سعره بنسبة وصلت إلى 30% في العامين الماضيين .
لقد كان الحضور في منتدى بطرسبرغ معظمه من قمة الخبرات الاقتصادية والمالية في العالم، واستمعوا لهذا الحديث عن الاقتصاد الروسي، والكثيرون منهم وافقوا على هذا الكلام بينما أنكره البعض، ومنهم جيم أو نيل مدير فريق البحوث الاقتصادية في بنك الاستثمار «جولدمان ساكس» الذي استبعد أن تصعد روسيا للسداسية الغنية هذا العام.
مشيرا إلى أن أساس هذه التنبؤات هو ارتفاع أسعار الطاقة التي تحقق عائدات كبيرة لروسيا الآن، مشيرا إلى احتمال كبير لتوقف هذا الارتفاع قريبا، وردت عليه وزيرة التنمية الاقتصادية الروسية ايلفيرا نبيولينا قائلة: أنتم تنطلقون من سيناريو الاستمرارية وهذا السيناريو لا يجوز تطبيقه على روسيا التي بدأ نموه الاقتصادي في الارتفاع قبل ارتفاع أسعار الطاقة بنحو أربع سنوات، وأيد الكثيرون في المنتدى رأي الوزيرة الروسية .
لقد أقامت روسيا عددا من الشركات الوطنية المتحدة التابعة للدولة في مختلف ميادين الاقتصاد وبالذات في الائتمان المالي وتأمين الودائع وإصلاح اقتصاد البلديات والإنتاج الصناعي والطاقة الذرية وبناء المنشآت الرياضية لأولمبياد 2014.
أضف إلى ذلك شركتين وطنيتين ضخمتين تم تأسيسهما في قطاعي بناء الطائرات والسفن مؤخرا وهما «شركة بناء الطائرات المتحدة المساهمة المفتوحة» و«شركة بناء السفن المتحدة المساهمة المفتوحة»، وهذا يعني أن عجلة التنمية الصناعية الحديثة تدور بوتيرة عالية في روسيا بالشكل الذي يضمن لها قريبا مكانة متقدمة وسط القوى الصناعية الكبرى في العالم.
كاتب ومحلل سياسي روسي