كنا نقول بالأمس إن معدل التضخم تجاوز الخط الأحمر ومضى بعيدا، وان الموقف من هذا الخطر ما زال في حالة المهادنة والى الآن لم تتخذ بشأنه إجراءات كبيرة، سوى محاولات تهدئة وتخفيف، ويبدو إننا سنمضي مضطرين للسير في وسط العاصفة عراة الصدور نتلقى كل ما تشده إلينا من عناء.

والتضخم ظاهرة من جملة ظواهر مؤرقة صار المواطن البسيط يلوك أخبارها يوميا مع «استكانة شاي» أو فنجان قهوة مرة، أو بدونهما أيضا.

الغريب في الأمر أن أصحاب العلاقة والشأن، الخبرات، العتاة في علومه وفنونه يبخلون على البسطاء من أمثالنا بالدروس والمحاضرات وحملات التوعية والإرشاد، ففطاحلة الاقتصاد عندنا يبدو انه لا يشرفهم أن يطلوا علينا عبر وسائل الإعلام من تلفزيون وإذاعة ومنابر لكي يقربونا من تفكيرهم ويجعلونا أكثر استئناسا بآرائهم، فنحن البسطاء من الذين لا ناقة لهم ولا جمل في مثل هذه الحسابات الكبيرة نحتاج هذا الأمر كاحتياجنا للماء والهواء.

فأنا لا يمكن أن استمع إلى جاري وهو يتخبط في كلامه عن حلوله الخرافية التي يضعها أمامي لكي يزيح الاقتصاد الوطني عن صدره هذا «الياثوم»، فهو لا يفهم ولا يفقه، وان فهم وفقه فان خبراته ومعلوماته واستنتاجاته لا تتعدى حدود ثقافة «الفريج» أما الأسرار الكبرى التي تختبئ خلف دهاليز اللاعبين في السوق فهذه تحتاج إلى سحرة الاقتصاد لكي يفكوا لنا الطلاسم التي لا نفهمها..

نحن البسطاء نعرف شيئا واحدا.. وهو ان بلادنا كانت قبل وقت قريب جدا بألف خير وعافية وفجأة هبت علينا العواصف من كل صوب وحدب.. صحيح ومثل ما قال بعض القراء في ردودهم بالأمس إن مصير اقتصادنا مربوط بهبات العواصف التي تضرب العالم وإننا لسنا منزهين عن سوانا.

وهذا أمر قد جمع الجميع وحالنا من حالهم.. لكن علينا أيضاً ان نعترف بحقيقة ان اقتصادنا الوطني رصين وجذوره «رويانه».. زبدة القول.. إننا في زمن المعلومات والمعلوماتية وزمن ثورة الاتصال ومع ذلك هناك قطيعة بيننا وبين أهل المشورة والرأي من أهل الاختصاص والمسؤولية.

فنحن لا تشبعنا الأخبار القصيرة والتصريحات المقتضبة، لكننا نريد من يجلس إلينا «نحن العامة البسطاء» ليشرح لنا لماذا يصل التضخم عندنا إلى هذا الحد، والى متى سيضرب أطناب خيامه عندنا، وكيف الخروج منه وما هي علاجاته؟

مع العلم ان النظرية الاقتصادية لديها علاجات عديدة لمثل هذه الآفات، ومع العلم ان دولا كبرى سبق وان مرضت بهذه السوسة وكانت لها تجارب ناجحة في العلاج..

نريد حديثا مفتوحا وصريحا حول كامل المسألة وكافة أسرارها، فهذا الأمر ليس فيه ما يمكن ان يخفى طالما أننا نبحث عن تصحيح.. نريد ان نرى تكاتفا من أهل الاقتصاد الوطنيين يرفعون من خلاله أصواتهم بحثا عن العلل والحلول.

فليس من المنطقي ان نركن لمقولة هذا يجري على العالم فهو يجري علينا!!

هذه بلادنا وهذا اقتصادنا وهؤلاء هم أهلنا الذين من حقهم ان يتمتعوا بأولويات مطالبهم الحياتية دون ضغوط ولا منغصات.

السؤال الحقيقي هو.. لماذا كل هذا الحياء.. وهذه المهادنات والعاصفة تعصف؟ المخرجات الخطرة في هكذا ظروف اقتصادية يعرفها العارفون والنظرية مباحة والحقيقة لا تتبدل. لا نريد ان نصبح في يوم ما.. طبقة تنام على الكنز وأخرى تفتش في الجحور عن بقايا فتات!!.

mhalyan@albayan.ae