أريد أن أصارح القارئ أنني منذ فترة طويلة لا أعلق أي أهمية على انتخابات الرئاسة الأميركية. وكلما مر الزمن رأيت وسمعت وقرأت ما يؤكد لي أني على صواب في هذا الموقف، أي موقف اللامبالاة بما يحدث من عراك وجدل وصخب وتطبيل وتزمير لمدة تقرب من العام الكامل، وهو العام السابق على واقعة الانتخاب نفسها.

أعرف أن هذا الموقف يتعارض مع موقف كثيرين، بل وربما مع موقف غالبية المهتمين بالسياسة والشؤون الدولية. ومن ثم فقد يكون من المفيد أن أطرح على القارئ أسبابي وحججي، عسى أن اكسب انصاراً لموقفي، وان تتضح بعض الأمور التي ربما كانت غائبة عن بعض القراء.

منذ فترة طويلة، لعلها تبدأ من وقت تنحي الرئيس نيكسون عن الرئاسة في منتصف السبعينات من القرن الماضي، أي منذ حوالي ثلث قرن، ارتفعت نسبة الرؤساء الأميركيين الذين يفتقدون أي ميزة شخصية تؤهلهم لهذا المنصب الرفيع، سواء فيما يتعلق بالذكاء العالي، أو قوة الالتزام العقائدي أو الأخلاقي، أو الحنكة السياسية، والذين يعتقدون بشدة ما يسمى «بالكاريزما» أو الجاذبية الشخصية وقوة الحضور والتأثير في المحيطين بهم، وإنما يدينون في صعودهم إلى منصب الرئاسة لأشياء لا علاقة لها بمواهبهم الخاصة.

لم يكن الأمر كذلك طوال ثلث القرن التالي على الحرب العالمية الثانية (ولا قبل تلك الحرب)، حيث توالى على منصب الرئاسة رجال لهم مثل هذه المواهب، من روزفلت إلى ترومان إلى أيزنهاور إلى كنيدي إلى جونسون ثم نيكسون. يبدو أن شيئاً قد حدث منذ السبعينات جعل احتلال منصب الرئاسة في الولايات المتحدة أمراً أقل أهمية بكثير أو أدى إلى نقل دفة الحكم بعيداً عن يد الرئيس، وجعل هذا المنصب أقرب إلى وظيفة من وظائف العلاقات العامة منه إلى مركز لاتخاذ القرارات السياسية.

نعم كانت هناك دائما سمات في نمط الحياة السياسية الأميركية من شأنها أن تثير تساؤلات مهمة حول حقيقية الديمقراطية في أميركا، وهي تساؤلات ترجع في التاريخ إلى أيام النشأة الأولى للولايات المتحدة كدولة، كما يتضح من كتاب قديم ولكنه شهير، وقد أصبح في عداد الكلاسيكيات، وهو كتاب الكاتب الفرنسي اليكسي دي توكفيل «الديمقراطية الأميركية» الذي ظهر في ثلاثينات القرن التاسع عشر، أي بعد نحو خمسين عاما من نشأة الدولة الأميركية ولكن من المؤكد أن هذه السمات قد زادت قوة واستفحلت منذ ذلك الوقت.

لم تكن الفوارق كبيرة أو حاسمة بين الأحزاب المتنافسة الأميركية في معظم حقب التاريخ السياسي الأميركي، ثم تضاءلت أكثر فأكثر حتى أصبح من الصعب على مراقبي الحياة السياسية الأميركية ان يحددوا في أي شيء بالضبط يختلف برنامج الديمقراطيين عن الجمهوريين حتى قبل أثناء المعركة الانتخابية السابقة (2005). كان أهم الفوارق بين الحزبين المتنافسين يتعلق بموقف كل منهما مما إذا كان من الواجب السماح لشخصين شاذين جنسياً بإعلان زواجهما أو أن هذا لا يجوز.

نعم كان النجاح في الحملات الانتخابية الأميركية يعتمد دائما، وأكثر منه في أي دولة غربية أخرى، على استخدام الدعاية وأساليب الترويج الشبيهة بحملات الترويج للسلع، بدلا من الاعتماد على المقارنة بين برامج سياسية مختلفة أو بين مواقف المرشحين السابقة، السياسية أو الاخلاقية.

ولكن في عصر التلفزيون، وبعد ما تحقق من تقدم في أساليب التلاعب بعواطف الجماهير، أصبح النجاح يتوقف على صفات ضعيفة الصلة جداً بالسياسة أو الأخلاق، مثل ما إذا كان وجه المرشح للرئاسة مريحاً أو غير مريح للناظرين، أو ندع ابتسامته أو حركاته أو نبرات صوته، أو قوة أو ضعف علاقته بزوجته وما إذا كانت الزوجة تتمتع بقبول عام أو لا تتمتع به.. الخ.

إذا كان الأمر كذلك فلابد أن يلعب المال دوراً مهماً في إنجاح مرشح وإسقاط آخر. نعم كان المال دائماً مهماً في الحياة السياسية الأميركية، أكثر منه في أي دولة غربية أخرى، ولكن الأمر قد زاد كثيراً من الحد حتى أصبح من الممكن لأحد الكتاب الأميركيين أن يصف الديمقراطية الأميركية ساخراً بأنها «أفضل نظام سياسي في العالم يمكن شراؤه بالنقود».

ولكن دخول المال حلبة المنافسة إلى هذا الحد لابد أن يحدث تشوهات خطيرة في الديمقراطية. فغلبة المال لابد أن تضيق بشدة من الفوارق الايديولوجية والسياسية بين المرشحين للرئاسة، إذ إن أصحاب الثروات الكبيرة لا يختلفون عادة اختلافاً كبيراً في آرائهم السياسية ومواقفهم الاجتماعية والذين يستطيعون الحصول على دعم مالي كبير من الشركات العملاقة يكون لهم عادة نفس الموقف، أو مواقف متقاربة، من القضايا السياسية الأساسية والمصيرية، كقضية غزو الولايات المتحدة للعراق مثلاً، أو الحل الأنسب للقضية الفلسطينية.

بل وحتى فيما يتعلق بما إذا كان يحسن بالحكومة الفيدرالية أن تزيد «أو تقلل» من إنفاقها على التأمين الصحي أو التعليم .. الخ. إن دخول المال في انتخابات الدول الفقيرة قد يؤدي إلى شراء أصوات الناخبين شراء مباشراً، أما دخول المال في انتخابات دولة كالولايات المتحدة، فإنه يؤدي إلى استبعاد بعض المرشحين أصلاً من حلبة المنافسة، كما يؤدي إلى درجة غير مستحبة من غسيل المخ ومن اللعب بعواطف الناخبين.

هل نستغرب بعد هذا أن نجد أن موقف الإدارة الأميركية من قضية كقضية فلسطين وإسرائيل لم يتغير تغيراً يذكر مع مجيء وذهاب رئيس بعد آخر إلى البيت الأبيض، ديمقراطياً كان أو جمهورياً؟ ربما يصدر اليوم تصريح مناقض للتصريح الذي صدر بالأمس، ولكن الموقف الأساسي من القضية لا يتغير، لأن المصالح الأساسية نادراً ما تتغير، حتى لو تغيرت الوجوه التي تظهر على شاشات التلفزيون.

لا عجب أيضاً أن نجد أن باراك أوباما، الذي علق عليه بعض العرب بعض الآمال، قد أصدر بمجرد فوزه على هيلاري كلينتون كمرشح للحزب الديمقراطي، تصريحات عن إسرائيل والفلسطينيين والقدس لا تختلف اختلافاً يذكر عما يصدر من منافسه ماكين مرشح الحزب الجمهوري ولا عن موقف أي رئيس أميركي سابق منذ إنشاء دولة إسرائيل منذ ستين عاماً.

كاتب مصري

writers@albayan.ae