(كده ولا بلاش) كما يقول المصريون، طيب، شيء جميل جداً، برافو، (هيك الحكي!) كما يقول السوريون بلهجتهم. كل ما في الأمر هو خبر دعوة رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي لرئيس الجمهورية السورية بشار الأسد للمشاركة في احتفالات فرنسا بالعيد الوطني في 14 يوليو.

وهي دعوة لها بلا شك دلالاتها. والكل شاهد العديد من مؤشرات انقلاب الأمور في المنطقة منذ فترة وجيزة، بدأت بتلميحات إسرائيلية برغبة عارمة تشبه التوسل في تسريع المفاوضات مع سوريا ونية التخلي عن الجولان، ونجاح انتخاب رئيس لبنان بعد ولادة عسيرة بفضل جهود دولة قطر، وتحريك قضية تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل، وغيرها من علامات اقتراب الساعة وانشقاق القمر.

بالطبع، المفترض أن قرارات فرنسا مدروسة مسبقاً، ولا يتخذ رئيس فرنسا قراراته الهامة إلا بناء على توصيات الساسة والمستشارين من حوله، وليس اعتماداً على أحوال الطقس في باريس، ولا يمكن تصديق إشاعة أن فرنسا سقطت فجأة في حب سوريا من أول نظرة بين ساركوزي والأسد، إضافة إلى أننا تعلمنا من دروس وعبر الماضي أن نضع سوء النية في علاقاتنا مع الغرب قبل أي اعتبار آخر.

المهم، أننا الآن أمام واقع جديد، ولفتة لا سابق لها. فسوريا لم يحصل أن تلقت أي دعوة رسمية على هذا المستوى من قبل. ويبدو أن المنطقة بكاملها تمر في مرحلة جديدة من تسوية الأوضاع وإنهاء الصراع بالطرق الهادئة لكي تتمكن القوى العظمى بعد ذلك من تسويق مشاريعها ومخططاتها المستقبلية بعد أن فشلت كل المحاولات العسكرية في إخضاع شعوب الشرق الأوسط.

فمصر لم تعد ترغب مجدداً في الذهاب لأبعد مما ذهبت إليه منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي. مصر تريد اليوم أن تبقى خارج إطار الخلافات العربية العربية. أما السعودية فإنها لم تعد منذ أحداث سبتمبر ذلك الحليف المطلق للولايات المتحدة في المنطقة خاصة بعد أن طالتها يد الإرهاب وانشغلت بترتيب بيتها الداخلي.

أما قطر فحاولت في غياب مصر والسعودية أن تسد بعض الفراغات التي تركت هنا وهناك لتلعب دور الوسيط العقلاني والمنطقي اعتماداً على دراسة أوضاع المنطقة ونقطة التقاء بين الشعوب العربية التي ما زالت تحلم بأن ترمي إسرائيل نفسها بنفسها في البحر وليس على يد العرب كما كنا نتوهم إلى زمن قريب.

ولكن قطر تعرف في قرارة نفسها بأنها لا تملك في يدها زمام الأمور وأن الدول الغربية ومعها الولايات المتحدة الأميركية تطمح إلى إيجاد دولة عربية ذات مساحة جغرافية هامة، وموقع جغرافي استراتيجي له مميزاته الخاصة، ودولة تملك بالتالي قوة التأثير على من حولها.

والحقيقة أن سوريا ظلت في جميع الظروف تلعب دور الثقل في ميزان العلاقات الأوروبية العربية والعربية العربية وفي دعم المقاومة على كافة الجبهات. والكل يتذكر دورها بعد غزو الكويت، وبعده. المهم أنها احتفظت في جيبها بورقة رابحة لا يمكن التوصل إلى أي حل بدونها، وهذا ما أثبتته الأحداث الأخيرة في لبنان، وبالتالي أرغمت هذه الورقة الدول الغربية وإسرائيل على أن تقر في نهاية المطاف بأنه لا يمكن تمرير أي ورقة حل في المنطقة إلا من خلال الورقة السورية.

من هنا ولد التقارب الفرنسي السوري. منذ تولي الرئيس بشار الأسد سدة الحكم في سوريا بعد وفاة والده حافظ الأسد بدأ الجميع يتوقع بأن هناك تغيرات جذرية قادمة على يد هذا الشاب الواثق من نفسه، المتمكن من خطبه المرتجلة دون تأتأه ودون ورقة معدة مسبقاً، الأنيق في هندامه، الهادئ في طبعه، الذي يعرف كيف يناور غرماءه دون أن يخسر أو يتنازل عن ورقته الرابحة.

واستطاع هذا الشاب المتحمس أن يجمع بين أمرين: التمسك بتكتيك والده القديم وإصراره على نقل سوريا إلى العصر الحديث والتحدث بلغة العصر من الصراحة والوضوح. ولكن الأمور لا تجري بسهولة في دولة كتلك التي يحكمها ومع شعب تمتد جذوره إلى معاوية بن أبي سفيان. لا بد من الانتظار لسنوات طويلة جداً حتى تجني الأجيال القادمة ثمارها.

بالتأكيد ما خسرته سوريا منذ احتلال فلسطين ليس بأقل مما خسره العرب إن لم تكن أكثرهم خسارة كثمن للدفاع عن قضايا الأمة العربية. وما أوجعها في الصميم حقاً هو أنها وجدت نفسها فجأة ـ بعد أن وقّعت مصر ودون سابق إنذار معاهدة السلام مع إسرائيل ـ في المعركة وحيدة دون ناصر ولا معين ووجدت نفسها الوحيدة المسؤولة عن الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني وجنوب لبنان واسترداد ما احتلته إسرائيل من أراضيها في الجولان.

وظلت لا تتلقى من العرب من حولها سوى النفور تفادياً لغضب الولايات المتحدة الأميركية أو الإهمال أو الانتقادات. والعجيب في الأمر أننا لم نسمع في يوم من الأيام أنها مدت يدها تطلب منهم المساعدة أو الدعم. لقد استنجد الفلسطينيون بالعرب واستنجد العراقيون بالعرب واستنجد الكويتيون بالعرب ولم تستنجد سوريا في أي حال من الأحوال بأحد، ولم تطلب منهم لا المقاومة ولا الدعم المالي والمادي ولا حتى التنديد بالمحتل كأضعف الإيمان.

المهم، مضى ما قد مضى، وسوريا اليوم يجب أن تكون غير سوريا الأمس، والمعسكر الغربي يراهن على مستقبل سوريا واستقرارها ودورها في المنطقة أكثر من دور إسرائيل الغارقة في الفوضى. وإذا قويت أواصر العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع فرنسا واستطاعت الدبلوماسية السورية في الوقت ذاته أن تحافظ على توازنها السابق وتمسكها بنفس المواقف السابقة ولم تتخل عن شريكتها الاستراتيجية على الضفة الشرقية من الخليج العربي، ولم تصبح هذه الإشارات الغربية مجرد طعم للإيقاع بالنظام السوري وعزل إيران، فإن إسرائيل ستقع شيئاً فشيئاً في عزلة تامة.

خاصة وأن الرياح تجري هذه الأيام في الولايات المتحدة الأميركية في غير صالحها مع احتدام المنافسة بين باراك وماكين. نرجو أن تكون دعوة الرئيس السوري بشار الأسد للمشاركة في احتفالات العيد الوطني الفرنسي بشارة خير لكل قضايانا المعلقة أياً كانت اختلافاتنا فيما بيننا. ولا يصح إلا الصحيح كما يقول الخليجيون.

جامعة الامارات

dralaboodi@gmail.com