تعرف السياسية الخارجية في أحد تعريفاتها المتعددة بأنها هي السلوك الخارجي الهادف والمؤثر، والدولة الحكيمة هي التي تتحرك لخدمة أهدافها ومصالحها بعقلانية وهدوء وبعد نظر استراتيجي، وعلى جبهات متعددة لتحقيق علاقات منفتحة ومتوازنة مع معظم الدول.
والدبلوماسية الإماراتية في مختلف مراحل تطورها شكلت من مفردات هذا التعريف النسيج السياسي الذي تنطلق منه لتحقيق أهداف السياسة الخارجية التي رسمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أول رئيس لدولة الإمارات في الذكرى الأولى لتأسيس الاتحاد والتي سعت الدولة إلى التمسك بها طوال فترة حكمه وصولاً إلى الفترة الحالية، ومن أهم هذه الأهداف.
خاصة فيما يتعلق بتحديد طبيعة العلاقة مع الدول العربية والمجاورة، فقد جاء هدفي نصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية والسعي إلى حل الخلافات العربية العربية، بالإضافة إلى العمل على حل خلافات الإمارات مع الدول المجاورة بالطرق السلمية، على رأس قمة الأولويات في شكل العلاقة التي تربط الإمارات مع جيرانها.
والمراقب لسياسة الإمارات الخارجية خاصة في هذه الفترة التي تشهد فيها المنطقة العربية جملة من التطورات السياسية والاقتصادية الكفيلة بزعزعة استقرار المنطقة، يلاحظ أن الدبلوماسية الإماراتية كانت نشطة وحاضرة بفاعلية في جميع المبادرات العربية التي شكلت لمعالجة القضايا العربية الشائكة، كالقضية الفلسطينية، واللبنانية والعراقية.
فالقضية الفلسطينية والتي تعتبر من القضايا الأساسية التي استأثرت بحيز كبير في الفكر السياسي الإماراتي وشكلت منطلقاً بارزاً في سياسة دولة الإمارات الخارجية منذ زمن المؤسسين الأوائل لدولة الإمارات وحتى اليوم.
ففي الفترة الأخيرة على سبيل المثال شهدت هذه القضية اهتماماً ملحوظاً من قبل الدبلوماسية الإماراتية، وكان ذلك على مستوى الخارجية التي شاركت في اللجنة الرباعية العربية بجانب كل من السعودية والأردن ومصر، وعلى الرغم مما أثير حول شرعية هذه اللجنة العربية والتي اتهمها البعض بأنها ولدت من رحم الخارجية الأميركية.
إلا انه لا يمكن إنكار أهميتها في تنسيق المواقف ونقلها بصورة عربية فلسطينية إلى الفاعلين الدوليين من أجل دعم الجهود المبذولة لإحياء عملية السلام، وتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى جانب دعم السلطة الراهنة والاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية المنشأة بموجب اتفاق مكة المكرمة ورفع الحصار الدولي الظالم عن الشعب الفلسطيني.
كما شاركت الإمارات دبلوماسياً واقتصادياً في مؤتمر فلسطين للاستثمار الذي انعقد في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية في مايو الماضي، متخطية في ذلك الأقاويل التي أثيرت حول هذا المؤتمر باعتباره جسراً للتطبيع مع إسرائيل، فالإمارات لم ولن تتخلى عن مبادئها وثوابتها العربية مهما كانت الأسباب وخاصة فيما يتعلق بقضية التطبيع مع إسرائيل وحق العودة.
إلا أن الدبلوماسية الإماراتية رأت في هذا المؤتمر فرصة عملية لاستنهاض الاقتصاد الفلسطيني وتمكينه من الاعتماد على نفسه وذلك بخلق وتأسيس قواعد التنمية المستدامة بدلاً من الاعتماد على المساعدات الخارجية. وفي فلسطين أيضاً سجلت الإمارات في الفترة الأخيرة حضوراً قوياً من خلال سلسلة المشاريع الإنشائية التي يقيمها الهلال الأحمر الإماراتي في مدن ومخيمات مختلفة في الأراضي الفلسطينية.
فقبل فترة وجيزة تم افتتاح مشروع ضاحية الشيخ زايد في القدس بالإضافة إلى مشاريع أخرى قد تم افتتاحها كإعمار مخيم جنين ومدينة الشيخ زايد في غزة ومدينة الشيخ خليفة في رفح وغيرها الكثير من المستشفيات والمدارس والمراكز الصحية وحملات التبرع التي تنطلق بشكل دوري من مختلف إمارات الدولة.
كما كان للخارجية الإماراتية حضور ملفت للنظر في الأزمة اللبنانية الأخيرة التي عصفت بلبنان وكادت أن تهدد استقراره، وذلك من خلال عضويتها في اللجنة الوزارية العربية التي شكلت من قبل مجلس الجامعة والتي كان لها دور كبير وفاعل في حل الأزمة اللبنانية وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء اللبنانيين.
أما بالنسبة للعراق فقد أعلنت الخارجية الإماراتية في الفترة الأخيرة وعلى لسان سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية في أثناء زيارته الأخيرة إلى بغداد عن قرب فتح سفارة الإمارات في العراق، ففي الوقت الذي تغيب فيه السفارات العربية عن العاصمة العراقية بسبب الوضع الأمني المضطرب، فإن دولة الإمارات أعلنت وبكل شجاعة عن إعادة فتح سفارتها في ذلك البلد.
وذلك على الرغم من الحادث المؤسف الذي ألم بالبعثة الدبلوماسية الإماراتية في عام 2006 عندما تعرض أحد دبلوماسييها للخطف لمدة أسبوعين، ولكن إيمان الإمارات بضرورة مساعدة العراق بأي شكل كان لكي يستعيد عافيته وينضم إلى الصف العربي من جديد فاق جميع المصالح الآنية. وبذلك تعتبر الإمارات أول دولة خليجية وعربية تعلن عن فتح سفارتها في بغداد، والإمارات بهذه الخطوة تعمل عن تدشين العلاقات العربية - العراقية وفتح صفحة جديدة مع عراق اليوم.
كما جاءت مشاركة الإمارات في القمة العربية الأخيرة التي عقدت في دمشق، لتضيف نجاحاً آخر للدبلوماسية الإماراتية التي رأت ضرورة المشاركة متحدية في ذلك المواقف والآراء التي أثيرت حول هذه القمة، ولكن حرص الإمارات على بذل كل جهد ممكن من أجل توحيد الصف العربي وتفعيل قرارات القمم العربية هو ما دفعها إلى شرف المشاركة وعدم التخلي عن حضور أي قمة عربية .
هذه هي الإمارات شامخة دائماً بقراراتها وسياساتها الخارجية كشموخ مكانتها في محيطها العربي والإقليمي، وها هي الدبلوماسية الإماراتية الناجحة التي تشربت مفاهيم السعي الصامت والهادئ البعيد عن الضوضاء والخلافات واستخدام الأساليب الاستفزازية حتى مع الدول التي ترتبط معها بخلافات حدودية، فدائماً تسعى الإمارات إلى إبراز الوجه الحضاري لقيم التسامح والإخاء والتعاون والإيثار التي يتميز بها هذا الشعب الأصيل، هذه القيم النبيلة التي ورثها عن أجداده وسيخلفها لأبنائه في المستقبل.
ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الدول إبراز مساعيها الدبلوماسية وتتباهى بها بصوت عالٍ تقف الإمارات هادئة بدبلوماسيتها ولكن فاعلة في مضمونها. الإمارات بنهجها الهادئ هذا إنما تعكس إيمانها بضرورة العمل على المساعدة في حل الخلافات العربية وتحقيق الأمن والاستقرار للمنطقة بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
كاتبة إماراتية