سيكون من أحلام اليقظة السعيدة لو أن شيئاً من هذه الأخيلة يتحقق، أو نسعى لتحقيقه، وهو أن تقف على قارعة الطريق، وتؤشر لسيارة أجرة تمر من أمامك وتتوقف لك فورا تفتح نافذة الجهة المقابلة لك وتسمع كلمة «مرحبا الساع حياك اتفضل» تسمعها بصوت مواطن «قح» من أصل البلد وفصلها..

فعندنا يبدو أن هذا بعيد المنال في ظل عدم وجود بوادر لتشجيع المواطنين على قيادة التاكسي. وعلى أيام زمان، وهي أيام ليست بعيدة جدا، بل في السبعينات تقريبا كان ذلك ممكنا، لأنه كان هناك مواطنون يعملون في مهنة سائق تاكسي. في بعض البلدان تفرض الحالة الأمنية منع دخول جنسيات غير المواطنين إلى هذه المهنة. انه مجرد حلم أن تأمن على اهلك وعيالك وعلى نفسك اذا ما اضطروا أو اضطررت إلى استخدام خدمة التاكسي مع سائق مواطن و«مرحباني».

يأتي الزائر والمسافر والسائح إلى بلادنا يتوجه إلى فندق خمس نجوم يقف أمام كاونتر الاستقبال لإنهاء إجراءات إقامته، لكنه لا يشتم من هذه المقابلة رائحة البلد ولا عبقها ولا ثقافتها ولا أصالتها لأن الوجه الذي استقبله هو غريب أيضاً أو من بلد الزبون نفسه، ساعتها فقط يشعر هذا السائح وهو يقف مع واحد من بني جلدته انه في بلاده وليس في بلادنا!!

فيأخذك بساط أحلام اليقظة السحري إلى تخيل ذلك المشهد. موظف يعتمر الغترة والعقال، أو حتى بدلة «سموكنك» يستقبل السائح الأجنبي بابتسامة وكلمة ترحيب محلية «نورت لبلاد بوجودك» سيترجمها لاحقا كي يفهمها السائح، ويزيد معلوماته معلومة كأنها جملة في قصيدة غنائية شعبية يعشقها أهل البلد من صغيرهم إلى كبيرهم.

تدخل محلا كبيرا للبضائع الالكترونية فتستقبلك فتاة إماراتية تمرست في المجال التقني تسألها عن أفضل جهاز كمبيوتر محمول يلبي احتياجاتك العملية، فتشرح لك عن أهم الموديلات الحديثة، وآخر التقنيات وتسألك عن نوعية الاستخدام وتدلك على الأفضل الذي تبحث عنه..توصلك إلى الكاونتر وتخلص لك إجراءات الشراء وتعطيك بطاقة الضمان وتودعك بجملة «حياك الله اخويه»..

تطير بعيدا ببساط أحلام يقظتك السحري، فتجد نفسك تقف أمام الكاونتر العريض لفرع البنك الذي تتعامل معه فتحتار لمن تتوجه في صف المراجعة، فكل الجالسين أمامك من أبناء بلدك فتختار الأكثر بشاشة فيهم تقف أمامه حينما يأتي عليك الدور فيبادرك «أمر الغالي»، تنتهي معاملتك فترد له دين جملته الأولى فتقول «يزاك الله خير ما قصرت في آمان الله»..

أحلام يقظة لكنها بالإمكان أن تصبح حقيقة، وليست هي بالمعجزة ولا أمرها بالصعوبة التي يحاول البعض أن يضعها في واجهة الواقع. التوطين سهل جدا إذا ما رافقته شروط واشتراطات صارمة..والتوطين ليس من باب الترف ولا سد لفراغ الواجهات ولا لذر الرماد في العيون. بل لأنه أس الهوية التي نبحث عن بلورة حضورها ونلهث من أجل ذلك بلا جدوى!!

mhalyan@albayan.ae