لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى كل المعاناة والخسائر الباهظة التي تكبدوها منذ عام بطوله، حتى يدركوا المخاطر المترتبة عن حالة الصراع والانقلاب والانقسام الشامل والمرير، ويعودوا إلى جادة الصواب نحو الحوار والوحدة.

وهم بالتأكيد لم يكونوا بحاجة إلى الدرس العربي في معالجة الأزمة اللبنانية ولو جزئياً، والتي امتدت لعام ونصف العام، حتى يستمدوا منه إرادة التفاؤل بضرورة وحتمية معالجة أزمتهم، أو ليتأكدوا أن صراعهم وانقسامهم لا يخدم سوى المخططات الإسرائيلية.

خلال العام الذي مضى على الانقلاب في الرابع عشر من يونيو الماضي، لم تتوقف المبادرات المخلصة، سواء على المستوى الوطني الفلسطيني أو على المستوى العربي، من أجل جمع الأطراف إلى طاولة الحوار وإنهاء الانقسام، لكن كل تلك المحاولات والمبادرات، ذهبت أدراج الرياح، وسقطت أمام عناد المواقف والبرامج و المراهنات الخاصة والفصائلية.

هكذا يمكن القول بأن مبادرة الرئيس محمود عباس يوم الرابع من هذا الشهر، قد جاءت متأخرة كثيراً، غير أن النوايا الحسنة والدعوات لا تفيد في تغيير المواقف الصلبة، إذ لم يكن من اليسير، طرح مثل هذه المبادرة، والوقوف على الاستجابات السريعة والإيجابية لها من كافة الأطراف، لولا نضج الظروف.

نقصد بنضج الظروف، ما يتصل بفشل كل الخيارات والمراهنات التي انبنت على تثمير واقع الانقسام بطريقة تخدم هذا البرنامج أو ذاك، فالصراع والانقسام والانقلاب، لم يكن سوى على برامج وأهداف مختلفة رغم الإيحاءات التي تشير إلى أن الأمر يتصل بالصراع على السلطة، وأي سلطة.

مبادرة الرئيس عباس، سبقها لقاء له مع وفد قيادي من حركة حماس في الضفة الغربية، لكن الأهم هو أنها تنطوي على وسائل واضحة تؤسس لإعادة بناء الثقة. كان لابد للمبادرة أن تنهي الشكوك بشأن موقف القيادة الفلسطينية حول عدد من القضايا، التي ظل الخلاف إزاءها يغذي آلة التحريض الإعلامي بين الأطراف.

الرئيس عباس أكد تمسكه بالحقوق والثوابت الفلسطينية، وعدم استعداد القيادة للتنازل عنها، وفي كل الأحوال فإنه سيعرض على الشعب الفلسطيني نتائج المفاوضات إن توصلت إلى نتائج. إعلان التمسك بالحقوق والثوابت يدخل تطمينات سياسية لدى حركة حماس والأطراف الأخرى المتشككة من موقف المفاوض الفلسطيني.

كما أنه أيضاً ينفي ما يشاع عن أن الرئيس عباس لجأ إلى الحوار مع حركة حماس، من موقع الضعف بسبب فشل المفاوضات، فإعلان التمسك بالحقوق في ذروة العملية التفاوضية، يشكل مصدر قوة له، ويصحح الخيارات بحيث تكون الأولوية لإعادة بناء وترتيب البيت الداخلي.

ولأن حركة حماس دأبت على اتهامه واتهام السلطة بالمشاركة في الحصار المفروض على قطاع غزة، أو بالتواطؤ مع المحاصرين للشعب الفلسطيني، كان لابد أن يعلن بفصيح اللغة، أن الحصار الإسرائيلي يشكل أبشع أشكال العقاب الجماعي الذي يستحق محاكمات دولية، ويطالب المجتمع الدولي بالعمل فوراً من أجل إنهائه.

بيت القصيد في المبادرة، أنها وضعت حداً للجدل بين حركتي فتح وحماس بشأن المبادرة اليمنية التي تعطلت قبل أن تصبح قراراً للقمة العربية في دمشق، فبينما كانت فتح تراها للتنفيذ ابتداءً من بندها الأول وهو عودة حماس عن الانقلاب، كانت حماس تراها إطاراً للحوار.

مبادرة الرئيس عباس قالت تعالوا للحوار من أجل تنفيذ المبادرة اليمنية، وفي اليوم التالي أصدر قراراً بتشكيل لجنة للمتابعة من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وبدأ جملة من الاتصالات والزيارات العربية بهدف بلورة جهد عربي لرعاية الحوار، والمساعدة في دفعه نحو النجاح.

حركة حماس وبقية الفصائل استجابت بسرعة وبدون تحفظات على مبادرة الرئيس، واتخذت قراراً بوقف الحملات التحريضية الإعلامية فوراً، قوبل باستجابة فورية من تلفزيون وفضائية فلسطين، من أجل تهيئة الأجواء للحوار.

المبادرة، والمواقف الإيجابية من قبل كافة الأطراف، وحتى سرعة التحرك نحو توفير أجواء ومقومات الحوار، لا تعني بالضرورة استسهال التوصل إلى نتائج إيجابية في وقت قريب فالوضع هنا مختلف عن الوضع اللبناني من حيث إن إسرائيل تشكل عائقاً حقيقياً باعتبارها صاحبة المصلحة في استمرار وتعميق وتأبيد الانقسام الفلسطيني.

فضلاً عن ذلك، فلقد تراكمت وقائع صعبة وعنيدة خلال العام الذي تلا الانقلاب، من غير اليسير أن يتم تجاوزها وربما كانت المصالحة السياسية، الأسهل على أجندة الحوار، قياساً بالاعتراضات الإسرائيلية والدولية، والأبعاد الاجتماعية الصعبة التي نجمت عن الصراع والانقسام في انتظار تبلور الدور العربي، الذي يبدو أنه سيتخذ شكل التفويض العربي لمصر، للقيام بهذا الدور.

ثمة سباق محموم بين انطلاق الحوار وبين التهديدات الإسرائيلية الجدية بشن عملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة. في كل الأحوال، ومهما بلغ الأمر، يترتب على القيادات الفلسطينية المتفقة والمختلفة أن تستجمع كل الإرادة المطلوبة من أجل قهر العقبات، ودفع الحوار، وتقديم التنازلات التي تساعد في التوصل إلى نتائج إيجابية، وحتى لو اقتضى ذلك دفع أثمان إضافية يبدو أنه لا مناص من دفعها.

إن الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون من أجل استعادة وحدتهم الآن سيكون أقل تكلفة من ذلك الذي عليهم أن يدفعوه إذا تأخر الحوار، وطال أمده. وفي الواقع إذا كان الفلسطينيون قد دفعوا ثمن انقسامهم وخسارتهم، فإن استعادة وحدتهم تستحق منهم أن يدفعوا من أجلها أكثر وأكثر.

لقد دقت ساعة الامتحان، فإما أن تعلو الحسابات الفصائلية والخاصة على المصلحة الوطنية، وإما أن يدرك الكل، أن أحداً لا يمكنه أن يحقق أي قدر من النجاح لوحده ومن واقع إسقاط رغباته أو برامجه على المصلحة الوطنية التي تحتاج مشاركة الجميع في إعادة بناء الحالة الفلسطينية وخياراتها واستراتيجياتها بما لا يشبه الأمس.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com