يعتقد الزائر إلى الشرق أنه جميل في جزره ومأكولاته وغاباته فقط، ولا يرى كثيرون ما في الشرق من جمال حضاري أصيل يمتد إلى مئات بل آلاف السنين. فالتعاليم الشرقية والنظم الامبراطورية القديمة كانت في ذلك الوقت متقدمة على كثير من نظم العالم الغربية، ولا أعني النظم الإدارية والحكومية فقط، بل النظم الاجتماعية التي كان أساسها الشرف والثبات على المبادئ المتعارف عليها في المجتمع، والمشتقة أكثرها من تعاليم دينية وفلسفية مازالت تدرس إلى اليوم.
إلا أن دور هذه الحضارات انحسر في دورة التاريخ الطبيعية التي تعطي كل أمة مجالاً للمساهمة في كتابة تاريخ الإنسانية، حيث نعيش اليوم شبه حضارة يقال إنها حضارة عالمية لما وصلت إليه نظم الاتصالات والإعلام من توسع لتربط مشارق الأرض بمغاربها.
لا يمكننا أن ننكر اليوم بأن المساهم الأكبر في هذا المشهد المتصل هو الولايات المتحدة الأميركية التي بدأت تلعب دوراً في المشهد العالمي بعد حادثة (بيرل هاربر) التي دخلت على إثرها الحرب العالمية الثانية، حيث حصلت - بعد اجتهاد طويل - على مسوغ لشحذ أسلحتها والنزول إلى ساحة المعركة التي ما فتئت تنفض في بقعة ما حتى تبدأ في بقعة أخرى، في سعي دؤوب للسيطرة على العالم.
قد يفاجأ البعض عندما أقول بأنني لا أجد سعي أي أمة للسيطرة على العالم شيئاً مستنكراً، فالتاريخ لم يخل أبداً من سيطرة أمة ما على معظم بقاع العالم المعروف آنذاك. حتى الدولة الإسلامية كانت تتوسع في مشارق الأرض ومغاربها، وكان الآخرون ومازالوا يصنفون تلك الفترة على أنها حقبة غزو واحتلال.
قد يكون الفارق هنا بأن المسلمين - في بداية الإسلام على الأقل - كانوا يتوسعون لنشر الدين في الأرض وليتمموا مكارم الأخلاق التي بعث من أجلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينما توسعت أمم أخرى قبل وبعد الإسلام لأغراض جيوسياسية أو اقتصادية أو غيرها، فهذا إذن أمر طبيعي ولن ينتهي إلا بتوقف التاريخ.
إلا أن الولايات المتحدة مازالت إمبرياليتها في طور النشأة، فأمم أخرى مثل بريطانيا مثلاً حكمت الأرض لمئتي سنة تقريباً، أما أميركا فإنها لم تكمل إلى الآن قرناً واحداً منذ دخلت الساحة العالمية، وهاهي بوادر تراجعها عن التحكم في زمام الأمور بدأت تظهر إلى العيان، وخصوصاً مع بروز القوى الشرقية الكبيرة كالصين والهند، والصغيرة كدول منظمة الآسيان، ناهيك عن الدب الروسي الذي يبدو أنه استفاق من بياته الشتوي الطويل.
فالصين على سبيل المثال أصبحت في عام 2002م أول دولة تتفوق على الولايات المتحدة في استقطاب الاستثمارات المباشرة الأجنبية FDI وهي التي بدأت الإصلاحات الاقتصادية فيها عام 1978م فقط، ناهيك عن تحول الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين إلى عجز لصالح الأخيرة لعدة أسباب أهمها إغراق صادراتها للولايات المتحدة في مختلف الصناعات.
وإذا ما قارنا الأوضاع الاقتصادية الداخلية فسنرى أن الولايات المتحدة متجهة في هبوط يقابله ارتفاع مطرد لدى الصين، ففي الصين يوجد 700 مليون عامل مقارنة بـ 140 مليونا في أميركا، مما يخفض سعر اليد العاملة ويزيد عدد ساعات الإنتاج - التي تبلغ في الصين 24 ساعة - ويزيد من قوة السوق إنتاجاً واستهلاكاً على حد سواء، وإذا علمنا بأن 50% من الصينيين تقل أعمارهم عن 24 سنة فإننا سنوقن بأن هذه الدولة تمشي بالدفع الرباعي.
أضف إلى ذلك أن الصينيين الذين يخرّجون 416 ألف مهندس سنوياً أصبح لديهم نهم عجيب للتعلم ولتطوير الذات واكتساب مهارات جديدة لخوض جميع الأعمال الموجودة في أسواق العمل، المحلية والعالمية، ليشكلوا بعد سنوات قليلة يأجوج ومأجوج ولكن في الصناعة والإنتاج وليس في الحرب والقتل، ومن نافلة القول أن نذكر بأن عدد مستخدمي الهواتف النقالة في الصين سيبلغ 600 مليون مستخدم بنهاية العام الجاري، مما جعل الصين قبلة شركات الاتصالات العالمية.
ليست الصين فقط من يحرز أهدافاً في مرمى الولايات المتحدة، فحتى الدول الآسيوية الصغيرة كسنغافورة على سبيل المثال بدأت (تشاغب) هي أيضاً، حيث علمت في زيارة إليها قبل أيام أن مكتبتها الوطنية تدير مكتبة كوينز Queens Library في نيويورك!
حيث أعجب الأميركان بالنظام الذي (اخترعه) السنغافوريون لإدارة مكتبتهم الوطنية وطلبوا منهم المساعدة. بل إن استخدام الروبوت في العمليات الجراحية بدأ ينتقل من سنغافورة إلى بعض المستشفيات الأميركية. أما إذا قارنا نتائج الامتحانات العالمية للرياضيات والعلوم TIMSS فسنجد أن الطلبة السنغافوريين يحتلون المرتبة الأولى في جميع النتائج مقارنة بالطلبة الأميركان الذين لم يستطيعوا تجاوز المرتبة الحادية عشرة.
أما الهنود فإنهم لا ينافسون الأميركان فقط بل ينافسون الصينيين أيضاً، فحسب كتاب India Unbound يقول الكاتب إن الطبقة الوسطى في الهند سوف تشكل 50% من الهنود بين عامي 2020م و2040، وستتضاعف القوة الشرائية لدى الفرد ثلاث مرات عما هي عليه اليوم، ناهيك عن تحول الهند إلى أكبر مصنع لبرامج الكمبيوتر في العالم.
وفي أميركا أعلن في مايو الماضي أن البطالة ارتفعت إلى نسبة 5,5% وهي أعلى نسبة خلال الـ 22 سنة الماضية، حيث خرج من سوق العمل 49 ألف عامل، ووصل بذلك عدد العاطلين عن العمل في أميركا إلى 5,8 ملايين شخص مقارنة بـ 9,6 ملايين في السنة الماضية، والمصيبة أن 55,1 مليون من هؤلاء العاطلين قد أمضوا 27 أسبوعاً بحثاً عن عمل وحسب القانون فإن الحكومة ملزمة بمساعدتهم ماديا لمدة 26 أسبوعاً فقط!
وعلى المستوى الاجتماعي فإن نسبة الطلاق تبلغ في أميركا 8,54% وهي ثاني أعلى نسبة في العالم مقارنة بنسبة 1,1% عند الهنود وهي أقل نسبة و9,1% عن اليابانيين.
يقول الخبراء والمحللون إن الاقتصاد الأميركي ماض إلى كساد لا محالة، وإذا ما اختل توازن الاقتصاد في بلد ما فإن جميع عناصر الحياة في ذلك البلد تكون معرضة للخطر، فما بالنا ببلد ينتشر جنوده في كل قارة، وتتبعثر صواريخه وقنابله في كل بلد لا يوافقه الرأي، حتى أصبحت صورة الأميركي اليوم أشبه بصورة النازي بعد الحرب العالمية الثانية!
لقد استطاعت الولايات المتحدة خلال السبعين سنة الماضية أن تنتقل من مجرد متفرج إلى لاعب رئيس في حلبة الصراع العالمي شأنها في ذلك شأن الأمم القديمة، إلا أن تلك الأمم عاشت في زمن كانت الحركة فيه بطيئة وكان وقع الحياة رتيباً، أما اليوم وبعد أن اختصرت الحياة نفسها بشكل متسارع واختزل الزمن نفسه في كبسة زر، فإن الأحرى أن يكون صعود الأمم وسقوطها سريعاً كذلك. فهل آن الأوان أن تتحرك بوصلة الحضارة وتشير إلى الشرق، أم أن البوصلة التي بدأت بالدوران فعلاً لم تحدد متى وأين ستتوقف؟
كاتب إماراتي