لم ينشأ الفكر القومي بعد استقلال البلدان العربية كما يعتقد البعض وإنما هو وريث شرعي لفكر النهضة العربية الذي نما وازدهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد انبثاق النهضة وقيام الدولة ـ الأمة في أوروبا، وقاد الفكر القومي العربي لواء مقاومة الاحتلال العثماني ونادى باللامركزية وبتعريب التعليم في مدارس الدولة وتعريب المؤسسات والقضاء واحترام الثقافة العربية والخصوصية العربية وحزمة من المطالب تقوم مقام المطالبة بالاستقلال.

انتشر الفكر القومي في البلدان العربية بعد الاستقلال وتولي السلطة في بعضها في أواسط الخمسينات وخاصة في سورية ومصر بعد ثورة 1952 وطرح شعارات لا ينقصها الغموض فلم تكن أيديولوجيته وسياساته وبرامجه واضحة.

واضطر ـ بما يناسب ضغط الظروف وحجم المصاعب ـ لتكريس جهوده لإنجاز الاستقلال السياسي ومقاومة الغزو الصهيوني ممثلاً بدولة إسرائيل دون غيرها ونحّى جانباً مفاهيم الحرية والديمقراطية والتعددية ومرجعية المواطنة كمرجعية أولى ورئيسية واعتبر أن إنجاز الاستقلال ومقاومة الصهيونية تقع على رأس أولوياته.

واعتمد على الانقلابات والقوات العسكرية لاستلام السلطة واستمرارها فتحولت الأنظمة السياسية إلى أنظمة شمولية وما لبث معظمها أن تحول إلى أنظمة ديكتاتورية ودائماً ما كانت هذه الأنظمة تعمل تحت خيمة الفكر القومي والأحزاب القومية.

وسقطت هذه الأنظمة فعلياً في أول امتحان لها وهو هزيمتها أمام العدوان الإسرائيلي عام 1967، وبدأت تتخبط وتبحث دون جدوى عن برامج جديدة تخلصها من الاحتلال وتساعدها على بناء أنظمة سوية ومجتمعات متراصة وقدرات تؤهلها لمقاومة الغزو الصهيوني والخارجي ومشاكل الداخل وصعوباته.

ولكن الأنظمة الشمولية التي أقامتها الحركة القومية وفصائلها لم تسمح لها بالنقد الذاتي والتجديد والتطوير وتناست الأهداف الأساسية للتيار القومي ولأحزابه، ولم يعد قادتها يفكرون إلا في استمرار أنظمتهم وتسلطهم على شعوبهم.

اكتشف التيار القومي أن مواقفه غير واضحة وربما متخلفة من قضايا أساسية يواجهها مثل مفهوم الدولة والديمقراطية والحرية والوحدة والأقليات القومية والإسلام السياسي ولم تتح له الأنظمة الشمولية التي أقامها والتي خرجت عن إرادته أن يجدد مفاهيمه تجاه هذه القضايا ويستفيد من تطور الفكر الإنساني المتعلق بها.

لم يحدد الفكر القومي بوضوح ماهية الدولة التي يسعى لإقامتها فكان أحياناً يتبنى بعضاً من معايير الدولة الحديثة فيشير إلى المساواة والحرية والعدالة وتكافؤ الفرص ولكن حسب مفاهيمه لها إلا أنه في الواقع تبنى مفهوم الدولة الشمولية ومنع تأسيس أحزاب أخرى غير الحزب الحاكم وأضعف سلطات الدولة الرئيسية ماعدا السلطة التنفيذية بحجة حماية مصالح الشعب وبناء المجتمع الاشتراكي والديمقراطية الشعبية ولم يستطع الفكر القومي حتى الآن أن يحدد بنية الدولة التي يريدها.

والأمر نفسه بالنسبة للديمقراطية التي غير مفهومه لها بعد توليه السلطة واعتمد الانقلابات العسكرية والقوة العسكرية وسيلة للحكم ووضع آليات جديدة لها انتهت بها إلى الاستبداد سواء بسبب السيطرة العسكرية على الأنظمة وهيمنة البيروقراطية على إدارة الدولة وإدارة الأحزاب أم لأسباب أخرى عديدة. ولم يستطع الفكر القومي السائد أن يبني مشروعاً ديمقراطياً وشعبياً ويطور ثقافة الأمة وقيمها المعاصرة وتحديث مجتمعاتها وتمتين خصوصيتها.

رغم التزام الفكر القومي بإقامة الوحدة العربية واعتبارها ضرورة رئيسية وأولوية الأولويات الاستراتيجية فقد اتجهت أنظمته السياسية الشمولية إلى تكريس القطرية وفشلت في استيعاب الواقع القائم والتعامل معه تمهيداً لإيجاد نظام عربي قومي جديد بديل يقرب الأمة شيئاً فشيئاً من وحدتها المنشودة في إطار مضمون ديمقراطي له مفاهيمه المعاصرة وآلياته المجدية بل على العكس من ذلك ساهمت السياسات القطرية في تمزيق الأمة أكثر فأكثر وأصبحت السياسة الوحدوية لهذه الأنظمة في الواقع مسخّرة لخدمة المصالح القطرية ولم تعد الوحدة هدفاً بذاتها.

لم يهتم التيار القومي الاهتمام الكافي بالأقليات الإثنية والقومية في الأقطار العربية ولم يحدد أسساً عادلة لتحقيق مصالح هذه الأقليات وحقوقها كما لم يكن جاداً في حل مشاكل أبنائها كمواطنين وأقليات والاعتراف بحقوقهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً مما أدى إلى نمو حركات انفصالية وتجذرها واستقوائها بالانفصال كما هو حال الأكراد والأمازيغ والأفارقة في جنوب السودان.

لقد أخطأ التيار القومي في التعامل مع مطالب ومصالح وقضايا الأقليات القومية والإثنية وزاد الأمر سوءاً هيمنة الاستبداد على الأنظمة السياسية واكتواء الأكثرية القومية والأقليات القومية بناره، ولابد للفكر القومي إن أراد تجديد نفسه الآن الاعتراف لهذه الأقليات بحقوقها سواء بالحكم الذاتي أو تقرير المصير وقبل ذلك بمساواتها الوطنية والاجتماعية والإنسانية.

إن تجديد الفكر القومي يقتضي تطوير عقيدته ليضع أسساً وبرامج واضحة تجاه هذه القضايا وأن لا يبقى غارقاً في المواقف السياسية وحدها كما هي حاله الآن.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org