خلال الأشهر الخمسة المقبلة سيعيش الأميركيون هاجس التخوف من شبح الركود الاقتصادي جنباً إلى جنب مع شبح الحرب في العراق المخيم على أجوائهم منذ أكثر من خمس سنوات.
وسيظل أمل التخلص من هذا ومن ذاك معلقاً بالخيوط التي يمسك بها كل من المرشحين للرئاسة الأميركية باراك أوباما وجون مكين والتي من خلالها يخاطبون سواد الأميركيين الذين يتصور الكثير منهم بأن الأجندة الانتخابية التي يحملها هذا أو ذاك هي أجندة حقيقية وليست دعاية انتخابية سرعان ما يعلو الغبار على ملفاتها وهي ترقد منسية في غياهب الأدراج.
التراجع الاقتصادي الذي تشهده الولايات المتحدة ربما في نظر الكثيرين أمر تُعنى به السياسية الداخلية، أما التداعيات التي خلقتها الحروب التي خاضت غمارها إدارة الرئيس بوش فموضوع تختص به السياسة الخارجية.
إلا إن كليهما ليسا منفصلين عن بعض طالما المواطن الأميركي هو الذي يدفع ثمن السياسات التي يُخطط لها من يتخذ قرار الذهاب إلى الحرب خاصة بعد أن ربط أساتذة أميركيون كبار من المتخصصين في الاقتصاد بين الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة والتراجع في اقتصادها.
المعركة بين مكين وأوباما هي الأولى في الولايات المتحدة التي لا يشترك فيها رئيس أو نائب رئيس منذ ما يقرب من نصف قرن ، فكلا المتنافسين لم يكن له في السابق موقع في البيت الأبيض على خلاف ما جرى في نصف القرن الأخير حيث كان أحد المتنافسين إما رئيساً قضى فترة رئاسته الأولى أو نائباً لرئيس انتهت ولايته الثانية. فالمعارك الانتخابية السابقة شهدت وجود رصيد معين يمتلكه أحد المرشحين ويسعى إلى توظيفه في حملته. وقد كان ذلك الرصيد عاملاً مفيداً للمراقبين يساعد في التنبؤ بمستقبل الحملة الانتخابية ، لذلك فنتائج الانتخابات القادمة هي الأكثر صعوبة من حيث التخمين بنتائجها.
تطرح الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية ما هو جديد لم يرد في انتخابات رئاسية سابقة ، أبرزه:
1. اتجاه الحزب الديمقراطي الأميركي ، وبشجاعة ، إلى تقديم مرشح غير تقليدي لرئاسة الولايات المتحدة عبر المنافسة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما. إذ لم يحدث في تاريخ الانتخابات الأميركية أن تقبل أحد الحزبين الرئيسيين مبدأ عدم الممانعة في ترشيح امرأة وعدم الممانعة في ترشيح رجل ينحدر من أصول أفريقية لإشغال أهم منصب في الولايات المتحدة ، ومن غير شك أهم منصب في العالم.
2. السن المتقدم للمرشح الجمهوري جون مكين الذي يعتبر الأكبر سناً في أول دورة انتخابية في تاريخ الولايات المتحدة.
أوباما داعية تغيير على غرار جون كندي وبيل كلينتون يحمل طموح وتطلعات جيل جديد بخطاب قوي وحضور فاعل وهذه نقطة هامة لصالحه ، فمع سياسات التغيير التي تتسم عادة بعنفوان الشباب تحدث طفرة ملحوظة في الاقتصاد الأميركي تغري الفرد في منح صوته للمرشح الديمقراطي.
هكذا كان معيار التفوق في الانتخابات الأميركية، السبق لمن يمتلك برنامجا اقتصاديا يزيد من رفاهية الفرد الأميركي سواء من حيث زيادة فرص العمل أو تقليص الضرائب أو تطوير البنية الاقتصادية أو تحسين الخدمات الاجتماعية والتربوية والصحية، وقد ارتبط ذلك تقليدياً بالمرشحين الديمقراطيين الذين يأتون برياح التغيير.
إلا أن هنالك عاملاً هاماً دخل في الحسابات الانتخابية بشكل قوي جداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وهو الجانب الأمني للمواطن الأميركي، والذي عزز فرص الرئيس الحالي بوش في الفوز في آخر انتخابات رئاسية أمام المرشح الديمقراطي جون كيري.
المرشحان يختلفان في الموقف من هذه القضية، فالمرشح الجمهوري مع الاستمرار في سياسات الرئيس الحالي، أي نقل المعارك مع من يعتبرهم أعداء محتملين للولايات المتحدة إلى ساحاتهم ومنعهم من الاقتراب من الأراضي الأميركية أو الأوربية، وفي هذا التوجه فهو ليس مع انسحاب القوات الأميركية من العراق، وليس مع التهاون في الموقف من برنامج إيران النووي.
أما أوباما فله موقف أقل ميلاً للسياسات الاقتحامية فقد كان معارضاً للدخول في الحرب ضد العراق على عكس منافسته في الحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون حين عُرض الموضوع في حينه على مجلس الشيوخ الأميركي.
إلا أن موقفاً كهذا لا يعتبر مؤشراً قوياً على استمراره بهذا النهج حين يدخل البيت الأبيض. فقد كان الديمقراطيون إبان رئاسة جون كنيدي هم من بدأ الحرب في فيتنام وصعدوها إلى أعلى مستوى إبان رئاسة ليندون جونسون وكان الجمهوريون إبان فترة رئاسة ريتشارد نيكسون هم من أطفأوا نيرانها، كما شهد عهد الرئيس بيل كلينتون (وهو من الحزب الديمقراطي) أوسع انتشار للقوات المسلحة الأميركية خارج أراضي الولايات المتحدة. إذ إن استراتيجيات دولة عظمى كالولايات المتحدة لا ترسمها شعارات انتخابية تخاطب المشاعر ولا تُرسم وفق حسابات المكاسب والخسائر الآنية، وليس من السهل على أي رئيس أميركي أن يغير كثيراً فيها.
الملف النووي الإيراني سيكون له حضور قوي في هذه الحملة الانتخابية، وسيتداوله المرشحان اللذان يشتركان في اعتبار أمن إسرائيل هو أمن الولايات المتحدة. إلا أن الاختلاف بينهما يتعلق بطريقة مقاربة هذا الملف فالمرشح الديمقراطي مع بدء حوار مباشر مع إيران من غير شروط مسبقة في حين يعتبر المرشح الجمهوري ذلك بمثابة قصر نظر وعدم إدراك حقيقي لحجم المخاطر التي تترتب على البرنامج النووي الإيراني.
وقد يُستغل هذا الملف من قبل الجمهوريين بالطريقة التي استغلت فيها أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي ضمنت إعادة انتخاب الرئيس بوش لدورة انتخابية ثانية. فقد تعمد الإدارة الأميركية الحالية إلى التلاعب بمسارات الإجراءات التي تتعلق بتنسيق مواقف الأطراف ذات العلاقة بهذا الملف لإنضاج سيناريو يضع الناخب الأميركي أمام خيار التصويت لأمنه وليس التصويت لجيبه.
لعبت إيران في عام 1980 دوراً هاماً في الانتخابات الرئاسية الأميركية. فقد كان موضوع الرهائن الأميركان أحد الأسباب التي أدت إلى خسارة الرئيس جيمي كارتر الديمقراطي أمام منافسه الجمهوري رونالد ريغان ، فهل ستعمل إيران من جديد على تعزيز فرص المرشح الجمهوري جون مكين؟.
كاتب عراقي