متى نضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟

لا أشك لحظة في أن هذا السؤال يلحّ كثيرا على أذهاننا ونحن في مواقف مختلفة، نبتلع غصاتنا جراء سوء تصرف أحد الأشخاص بالنظر إلى المكان الذي يعمل فيه. وعند التصريح بسؤال كهذا لا يتأخر كثيرا السؤال المضادّ: من الذي يسمح لك بالحكم على شخص ما بأنه مناسب للمكان الذي يشغله أو غير مناسب؟

إن مفهوم العمل عندنا لا يركز كثيرا على الجانب النفعي والخدمي الذي يتبادله الناس في مواقعهم الوظيفية المختلفة ويزاولونه من خلال أدائهم لعملهم، إنما يلتفت إلى جوانب أخرى، لا تمثل جوهر «العمل» وقيمته الأساسية.

فعلى سبيل المثال، حين يأتي شخص لإحدى الجهات ليستفسر عن أمر ما، ويطلب بعض الإيضاحات بشأنها، وخصوصا ما يتعلق بالوثائق المطلوبة لإجراء هذه المعاملة، فإنه لا يريد أكثر من موظف يعرف عمله جيدا، ويعرف كيف يتواصل مع المراجعين ثانيا، ولديه القدرة على تحمل الضغط النفسي الذي ينتج عن الاحتكاك اليومي ـ على مدى عدة ساعات متواصلة- مع مراجعين يختلف بعضهم عن بعض على مختلف المستويات ثالثا.

نموذج الشخص الذي لا يعرف عمله، ولا يعرف الأوراق المطلوبة، ويعلق ذلك على مشجب النسيان حين يواجهه المراجع ـ الذي تكلف عناء التردد على المكان نفسه عدة مرات ليحضر في كل مرة وثيقة إضافية، دون أن يشعر بأي حرج في تصرفه هذا، هو نموذج متكرر جدا، على الرغم من سوئه.

ويزداد الأمر سوءاً حين تجد أن هذا الموظف ـ الذي لا يعرف عمله ومتطلباته، ولا يتردد في الإمساك بالهاتف حين تواجهه صغار الأمور وكبارها ليسأل موظفا آخر عن كيفية التعامل مع هذه المعاملة- لا يعرف كيف يتواصل معك ـ باحترام-، وكيف يظهر لك أنه موجود ليخدمك لا ليملي عليك ما يجب أن تفعله وما لا يجب أن تفعله بفوقية مستفزة.

ويبلغ الاستفزاز ذروته حين نجد أن هذا الموظف الذي يحسُن به أن يبشّ في وجه المراجع، وأن يهيئ له أسباب الراحة والرضا في مؤسسته، كي يحثه على العودة كلما احتاج إلى ذلك، يقوم بعكس هذا الدور بإتقان، وكأنه يشعر بلذة في ذلك.

أذكر مرة أنني ذهبت لإحدى الجهات الحكومية، وشاء لي الرقم الذي أحمله بين يدي أن أنهض من مقعد الانتظار -الذي لم يطل مكثي عليه إلا بالقدر الذي سمح لي بتكوين تصور أولي عن الموظفات الجالسات أمامي خلف شاشات الحواسيب-، لأتوجه نحو الموظفة التي كنت أدعو من كل قلبي ألا تكون هي التي ستستقبل معاملتي، نظراً لطريقتها الفظة في التعامل مع المراجعين الذين سبقوني.

لم تكن تلك الموظفة تنظر إلي وهي تتحدث معي وتطلب مني بعض الأوراق أو الوثائق ـ كذلك فعلت مع المراجعين قبلي- وكانت تتكلم بسرعة الشخص الذي يريد أن يشتت ذهن سامعه فلا يتمكن من فهم المطلوب، ويكون هناك مبرر لانفعالها، مع أن الموقف لا يتطلب أي انفعال، خصوصا إن الاستيضاح وطلب إعادة الكلام ليس من الأمور المنكرة لا ديناً ولا عرفاً.

في مثل هذه المواقف يصعب كثيراً الصبر لمدة طويلة على فظاظة التعامل، التي تصحبها مخالفات واضحة لمتطلبات العمل، مع اللجوء إلى الطريقة التي عفا عليها الدهر في «تطفيش» المراجعين وهي الانشغال بالهاتف والضحك بطريقة مستفزة، وأفضل حل هو الشكوى، ومن حق أي مراجع أن يتقدم بشكواه للمسؤولين في الجهة نفسها.

ولكن المهم هو أن تُهيأ لنا الأسباب السهلة التي تعيننا على التقاط اسم الموظفة المكتوب على الشريط المعدني الخاص بذلك، دون أن تكون لديها الفرصة للتواطؤ مع (الشيلة) التي تساعدها بسهولة في التستر على الاسم، لذلك أقترح أن يُعلق الشريط الخاص بالاسم على ردن العباءة مثلا.

في ذلك الموقف لم أتمكن من التقاط الاسم، وحين سألتها عن اسمها قامت مباشرة بإخفائه (بالشيلة)، وقالت أنا لم أفعل شيئاً خطأ كي أخبرك باسمي، وكان هذا أكبر خطأ منها أساساً، لأن الموظف لا يحق له أن يحدد متى يفصح للمراجع عن اسمه ومتى يكتمه عنه.

عبثاً حاولت معرفة اسمها من بقية الموظفات، أو حتى الموظفين، ولكنهم رفضوا بشدة، حتى إن أحدهم قال لي إن اشتكيت عليها سنُعاقب جميعاً،.. هكذا هو النظام هنا! وكأنها طريقة غير مباشرة لمنع المراجعين من التقدم بشكاويهم.

المصيبة هي أن الموظفين ـ في كثير من الدوائر والمؤسسات- يتعاونون في التستر على الموظف الذي يتجاوز حدود اللياقة في التعامل مع المراجعين، ولا يتردد بعضهم في التدخل لامتصاص غضب المراجع بعد أن يُستفز بسوء المعاملة، وهذا ما يجعل بعضهم يتمادى، لأن المراجع لن يشتكي في النهاية.

موقف آخر يمكنني أن أتركه للقارئ دون تعليق حدث أمامي قبل يومين فقط، حين كنت في إحدى المكتبات العامة الكبرى وجاء طفل في حوالي الثامنة من عمره يريد أن يدخل إلى قاعة المكتبة ليقول «كلمتين فقط» لأخته الكبيرة التي تقبع داخل المكتبة أمام أحد الأجهزة في انشغال تام بالموضوع الذي تقرؤه، ولا تعرف أن أخاها يقف عند باب قاعة المكتبة يتوسل للموظف كي يسمح له بالدخول والتحدث مع أخته.

رَفْض الموظف دخول الطفل المكتبة ـ المخصصة للكبار- كان شديداً، وإصرار الطفل كان أشد، يبدو أنه يريد أن يقول لها شيئا مهما، والموظف يقول له: هناك قاعة كبيرة مخصصة للأطفال، ودخولك هنا ممنوع،.. كأنه لا يسمع الطفل ماذا يقول؛ فالطفل لا يريد أن يدخل مكتبة «الكبار» بدافع الفضول، ولا يريد أن يدخل ليحدث جلبة وضوضاء، إنما يريد فقط أن يهمس لأخته الكبيرة «بكلمتين».

ولم يتمكن من ذلك إلا في نهاية المطاف، وبمرافقة الموظف نفسه الذي أخذه من يده ووقف ملاصقا له وهو يحدث أخته ـ ضاربا بقيمة الخصوصية عرض الحائط-، ثم قاطعهما وأخذ الطفل من يده مرة أخرى ليخرجه من المكتبة «المخصصة للكبار»، لأن وجوده في الداخل مخالف للنظام!

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com