أنهى منتدى سانت بيتربورج أعماله، بعد ان بحث المشاركون فيه العديد من القضايا الاقتصادية والاستثمارية. وقد شارك في هذا المنتدى ابرز ممثلي النخبة السياسية والاقتصادية الروسية، وقادة بلدان رابطة الدول المستقلة وحكام الأقاليم الروسية، وتم توقيع حوالي 17 اتفاقية استثمارية، بقيمة إجمالية تزيد على 6. 14 مليار دولار.
ولعل تصريحات الرئيس ديمترى مدفيدف كانت من أهم أحداث هذا المنتدى العالمي، والتي أعلن فيها أن روسيا أصبحت لاعبا عالميا، وبإدراكها مسؤوليتها عن مصير العالم، تود المشاركة في صياغة قواعد لعب جديدة، لا نتيجة «طموحات إمبراطورية»، وإنما لأنها تمتلك في هذا المجال موارد وإمكانيات كبيرة.
وأعتبر مدفيدف أن عدم تناسب دور الولايات المتحدة الشكلي في الاقتصاد العالمي مع إمكانياتها الفعلية كان أحد الأسباب الأساسية للأزمة الجارية. ومما لاشك فيه أن تقييم الرئيس الروسي للوضع الراهن دقيق للغاية، حيث يعتبر أن وضع الاقتصاد العالمي سيئ للغاية، وإن الأزمة الاقتصادية المتوقعة ستكون الأسوأ على مدى التاريخ.
مشيرا إلى أن هذه الأزمة تظهر أن منظومة المؤسسات المالية العالمية بشكلها الحالي لا تناسب التحديات الراهنة. وأضاف أن التصور الذي يشير إلى أن دولة واحدة، وإن كانت الأقوى في العالم، تستطيع لعب دور «الحكومة العالمية» بدا وهما.
ويبدو واضحا أن منظومة المؤسسات العالمية التي تسيطر على إدارة الاقتصاد العالمي بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تتحمل المسؤولية عن السياسة المالية، عاجزة عن التأثير على إستراتيجيات المشاركين في السوق العالمية، إن لم نقل أن وصفاتها ودورها هو السبب المباشر لمختلف الأزمات التي تواجهها دول العالم.
وهو ما كشفته أزمة سوق الغذاء العالمي الأخيرة، والتي دلت على أن قدرات هذه المؤسسات لا ترقى لمستوى التعامل مع التحديات المعاصرة التي يواجهها المجتمع الدولي. ولعل المشكلة ليست في قدرات هذه المؤسسات لحد ذاته وإنما في القوى التي تدير أعمالها، وتؤثر على قراراتها.
بعبارة أخرى لم تعد الولايات المتحدة ترى خطرا يهدد النظام العالمي الجديد، وإنما أصبحت تركض خلف تحقيق مصالح شركاتها في صراعات مدمرة بدأت تهدد هذا النظام العالمي، وتضعه على حافة الانهيار.
إن الضغوط التي تمارسها الاحتكارات الغربية عبر المؤسسات السياسية المختلفة لفرض هيمنتها على مصادر الطاقة والثروة في العالم، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية لبقية الدول، لابد وأن تؤدى لسلسلة انفجارات سياسية وشعبية، لا تقتصر على إضعاف أسس النظام العالمي الجديد.
وإنما يمكن أن تؤدى لتغييرات أكثر جذرية في هذا النظام تقضى على نفوذ المنظومات الاقتصادية العاملة وفق قوانين الاقتصاد الحر، بعد أن فشلت في توفير الغذاء، وزادت من إفقار الكتلة الأكبر من السكان بسبب سياساتها المالية المغامرة.
بدءا من المضاربة في أسواق الطاقة التي تسببت في ارتفاع أسعار النفط، وانتهاء بتناقص واردات الغذاء للأسواق العالمية ليس فقط بسبب استخدامها كمصادر للطاقة او للإنتاج الصناعي فحسب، وإنما أيضا بسبب سيطرة النزعة العسكرية على اتجاهات الإنتاج الصناعي العالمي.
لقد كان يراهن الغرب على أن الرئيس مدفيدف سيكون أكثر ليبرالية من سلفه فلاديمير بوتين، ما سيفتح آفاقا جديدة في التعامل مع روسيا، ولا يمكن الإقرار بأن هذا التصور خاطئ استنادا لتصريحات مدفيدف معارضة لسياسات واشنطن، لأن ما يطرحه مدفيدف يعبر بشكل مباشر وصريح عن حرص موسكو على صيانة وتعزيز النظام العالمي الجديد، والذي يواجه أزمة حقيقية تهدد مصيره.
إن تصعيد التوتر والساعي للسيطرة على مصادر الثروة بالقوة لن يقدم مخرجا للولايات المتحدة من الأزمة الاقتصادية التي تواجهها، لأنه يقضى على الإمكانات الفعلية لتنشيط حركة التداول في الأسواق، ويقلص فرص العمل في الأسواق التقليدية للشركات الكبرى.
ما يعنى ان هذه السياسة ستقود للمزيد من إفقار المستهلكين، وتفاقم الأزمات في مختلف البلدان. حان الوقت لكي تعيد واشنطن النظر في سياساتها، لأن الإصرار على هذا النهج لابد وأن يؤدى لظهور تكتلات عالمية معادية للولايات المتحدة باعتبارها تمثل خطرا يهدد النظام العالمي الجديد.
مركز دراسات الطاقة الروسي