جاءت كلمة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في منتدى بطرسبيرغ الاقتصادي الدولي على غير ما توقع منه الآخرون الذين ينظرون إليه على أنه وجه الليبرالية الحديثة المنفتحة والبعيدة عن الصدام والحدة في التصريحات مثل سلفه الرئيس السابق بوتين، بل كما رأى البعض كان ميدفيديف أكثر حدة من بوتين عندما وجه اتهامات صريحة وواضحة للولايات المتحدة الأميركية يحملها فيها المسؤولية عن تفاقم أزمة الغذاء العالمية.

حيث قال ميدفيديف ان التصور الذي يشير إلى أن دولة واحدة، وإن كانت الأقوى في العالم، تستطيع لعب دور «الحكومة العالمية» بدا وهما.

وأشار إلى أن أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الحالية يتمثل في عدم تناسب الدور الشكلي للولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي مع إمكانياتها الحقيقية. وأكد أنه مهما كانت السوق الأميركية كبيرة والمنظومة المالية للولايات المتحدة متينة فهما لا يستطيعان أن تحلا محل الأسواق المالية العالمية، وقال ميدفيديف إن كل ذلك يؤكد على ضرورة إصلاح هيكلية المنظومة المالية العالمية.

ويعد هذا أول اتهام صريح يصدر من مسؤول رسمي كبير في وزن رئيس دولة كبيرة للولايات المتحدة منذ اندلاع أزمة الغذاء العالمية، وأكد ميدفيديف في حديثه على ضرورة العودة للعمل المشترك من خلال المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة.

كما استخدم ميدفيديف نفس أسلوب سلفه بوتين في استعراض قوة وإمكانيات روسيا الاقتصادية حيث قال : «إن روسيا كانت قبل 100 سنة أحد كبار مصدري القمح في العالم، وزيادة الإنتاج في روسيا نافعة ليس لنا وحدنا، بل ولكل سوق الغذاء العالمية».

لقد ثبت بالفعل أن سياسات واشنطن الداخلية والخارجية باتت تسبب مشاكل وأزمات عالمية تصيب البعيد قبل القريب، وبات واضحا أن عدم التراجع عن هذه السياسات سيجر العالم كله للكارثة بما فيه الولايات المتحدة نفسها التي لن تنفعها احتياطياتها ولا أسواقها، وكيف للقوة العظمى أن تحيا وتنهض على أكتاف أسواق الجياع في العالم.

ربما تكون روسيا هي الأبعد بكثير من غيرها عن الأزمة العالمية في الغذاء باعتبارها ثالث أكبر منتج للحبوب في العالم، وتستطيع إطعام دول أخرى كما قال رئيس الوزراء بوتين في فرنسا منذ أيام، ولكن هذا ليس هو الحل الذي تريده روسيا، إذ انه لا أمان في عالم يكثر فيه الجياع، وإذا كانت نصف دول العالم تأكل والنصف الآخر يموت جوعا فإن هذا بالقطع سيؤدي للانفجار واندلاع ثورات الجياع التي ستطال الأغنياء قبل الفقراء الذين لا شيء لديهم ليخسروه، وهذا ما تريد روسيا أن تقوله الآن للجميع، وخاصة للولايات المتحدة.

لقد طرح الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في ملتقى بطرسبيرغ فكرة مواصلة الحوار المكثف بين الجميع من أجل إعداد صياغة جديدة لسياسة الغذاء العالمية، وأكد على أنه لابد من مشاركة الولايات المتحدة في صياغة هذه السياسة الجديدة، ولكن تكون مشاركتها كطرف مثل الآخرين لا كقوة عظمى صاحبة مصالح خاصة بها تتناقض مع مصالح الآخرين، و طالب ميدفيديف بأن يتم الحوار بين الدول حول هذه السياسة في إطار الأمم المتحدة.

تأكيد روسيا الآن على الدور الهام للأمم المتحدة أمر لا يرضي واشنطن التي بيتت النية للإطاحة بهذه المنظمة الدولية وتأسيس بديل أميركي لها تحت مسمى «منظمة الديمقراطيين»، ولكن روسيا ترى أن الوقت الآن ليس وقت الديمقراطية الأميركية التي لا تطعم جائعا ولا تكسي عاريا.

البعض تصور أن ميدفيديف نسي ليبراليته وأفكاره المتحررة وكشف القناع عن وجه وجهه ليرى العالم وجه سلفه بوتين من جديد، ولكن هذا ليس صحيح على الإطلاق، فروسيا لن تتراجع عن سياساتها الانفتاحية، وهذا ما أكده ميدفيديف في خطابه عندما رفض اتهام البعض لسياسات السوق بأنها سبب الأزمات، وقال ان هذه الآراء ليس لها أساس من الصحة.

كاتب ومحلل سياسي روسي

Luon1935@kin.ru