أُسدل الستار على القمة الأخيرة لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» التي احتضنتها روما والتي خرجت بمشروع ختامي وصفه البعض بأنه «مخيب للآمال».
وإذا كانت قمم الفاو السابقة لم تحدث فارقاً كذلك، فإن هذه القمة بالتحديد جاءت في ظل تفاقم أزمة الغذاء العالمي وفي ظل غلاء استشرى في العالم أجمع، لدرجة أن وزير الزراعة الأميركي إيد شيفر علّق على هامش ختام المؤتمر بأن قمة دون اتفاق أفضل من تلك التي تخرج باتفاق سيئ.
ورغم أن هذا التعليق صدر من وزير أميركي، إلا أن الولايات المتحدة تتهم بأنها مشارك رئيسي في أزمة الغذاء، بسبب سياساتها في مجال الوقود الحيوي الذي ساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد أن سخرت محاصيل الذرة والقمح وقصب السكر لإنتاج وقود حيوي بديل للبترول، مما ساهم في قلة المعروض من هذه المواد الغذائية بسبب ندرتها وبخاصة في الدول الفقيرة المستوردة.
ويعشش الفقر في البيوت العربية أيضاً التي تتقاسم مع غيرها من دول العالم النامي أزمة الغذاء، وأصبحت مقاييس الفقر تنطبق حتى على تلك الدول التي تعرف بالمصدرة للبترول مثل العراق، مما يؤكد ما قاله جاك ضيوف مدير عام الفاو من أن مشكلة الأمن الغذائي طبيعتها سياسية.
وتقتصر قياسات فقر الدخل على عدد محدود من دول المنطقة وهي الأردن وفلسطين ولبنان ومصر واليمن وتونس والمغرب، إلا أن الكثير من المؤشرات يوضح أن 27% من سكان الدول العربية يعانون من الفقر البشري.
ففي مصر على سبيل المثال هناك ألف قرية تضم نحو عشرة ملايين مواطن مصري يعيش 76 في المئة منهم تحت خط الفقر، وهذا ما كشفه رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول نتائج الدراسة التي أجراها الجهاز ضمن التعداد العام لسكان مصر عن خريطة الفقر في مصر، في حين يحتل الأردن رأس الترتيب تليها البحرين.
وقد خفضت هذه البلدان من الفقر بين الناس إلى رقم قياسي للفقر البشري بلغت قيمته أقل من نسبة 10 في المئة، وبمعنى آخر فإن هذه البلدان خفضت من نسبة الفقر البشري إلى النقطة التي لا يؤثر فيها إلا على أقل من نسبة 10 في المئة من السكان، وفي أسفل القائمة هناك خمس دول تجاوز فيها الرقم القياسي للفقر البشري نسبة 30 في المئة، وهي اليمن ومصر والعراق والمغرب والسودان.
أما في تونس فإن معركة الرئيس بن علي مع الفقر قد أسفرت عن تراجع نسبة الفقر، حيث وصلت النسبة إلى 8,3% فقط، وأصبحت تونس نموذجاً لدولة الطبقة الوسطى، وفي القمة الأخيرة للفاو خرج بن علي بمشروع الصندوق العالمي للتضامن الذي أقرته الأمم المتحدة بحيث يتم رصد دولار واحد عن كل برميل نفط للمساعدة في مكافحة الفقر، ولكن هل يمكن أن يقتلع هذا الصندوق جذور الفقر في العالم في ظل سياسات متواكلة تنتظر التغيير من السماء وتتقاعس عن القيام بتلك المسؤوليات المنوطة بها كحكومات؟
فرغم التحالف الإفريقي لتصعيد الثورة الخضراء في القارة السوداء، إلا أن هناك من هو على استعداد لاختراق هذا الالتزام الكفيل بتوفير الغذاء لملايين الجوعى من البشر، من خلال صفقات استثمارية لصالح إنتاج محاصيل للوقود الحيوي.
ويهدف مشروع الثورة الخضراء في إفريقيا إلى دعم الإنتاج الزراعي في مناطق سلة الخبز الإفريقية، وربط الإنتاج المحلي من الأغذية بالاحتياجات المحلية، والعمل عبر المناطق الزراعية البيئية في افريقيا لإتاحة فرص جديدة للمزارعين الصغار.
وأعلن رئيس مجلس إدارة التحالف لأجل ثورة خضراء في افريقيا كوفي عنان، أن هذه المبادرة تشكل جزءاً من رؤية استراتيجية يتبنّاها التحالف لعقد شراكات تجمع بين القدرات والموارد على صعيدي القطاعين العامّ والخاص، والمجتمع المدني ومنظمات المزارعين والأطراف المتبرّعين والعلماء ورجال الأعمال على طول سلسلة القيمة الزراعية.
وعلى الطرف الآخر نجد أن الأزمة الغذائية في الوطن العربي، وبخاصة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأولية لا تبشر بحل قريب، فلا تزال هذه الدول مستوردة وتفتقر إلى إنتاج المحاصيل الضرورية لذلك كالقمح والذرة، ولا تزال غير متبنية لمفهوم الاكتفاء الذاتي ولو كان نسبياً، رغم أن بعض المحللين الاقتصاديين يرون أن علة أزمة الغذاء في العالم العربي تعود إلى أسباب سوء توزيع الدخل، وسوء الإدارة الاقتصادية للموارد البشرية.
فالبطالة تلعب دوراً كبيراً في عدم تمكين البشر من العيش بكرامة من خلال توفير فرص عمل لهم وبالتالي تحويلهم إلى فقراء، إلا أن العلة تبقى في عدم استثمار الأراضي العربية الشاسعة لزراعة السلع المتوافقة مع الاحتياجات الاجتماعية كالحبوب مثلاً، في حين نجد دولة مثل الولايات المتحدة التي تعد من الدول الثرية تزرع القسم الأعظم من أراضيها بمحاصيل استراتيجية كالحبوب والقطن والخضار والفاكهة.
ولعل أقدم مشروع اقتصادي عربي لا يزال يتذكره المواطن العربي بطرافة هو مشروع التكامل الاقتصادي، فبالرغم من عشرات الاتفاقات التجارية والاقتصادية العربية الثنائية والمتعددة الأطراف في مغرب العالم العربي ومشرقه، ومن العديد من الاتحادات والقطاعات المهنية العربية المشتركة، انطوت محصلة التعاون والتكامل العربي على نتائج متواضعة بالمقارنة مع ما تحقق في محيطات وكتل اقتصادية أخرى في العالم، ويوجز الباحث كمال حمدان أهم المعوقات في عدم اكتمال هذا التكامل في عدة اعتبارات موضوعية، أهمها واقع التشتت البنيوي في منظومة البلدان العربية.
أما ما يجعل الاقتصاديات العربية تعاني من التردي الاقتصادي والاجتماعي فمرده إلى ارتفاع في حجم المديونية والعجز الخارجي، واستفحال مؤشرات عدم المساواة، إضافة إلى التضخم في الإنفاق العسكري، ويبقى السؤال: متى ننفق على الفقر؟
كاتبة إماراتية