جاء حكم المحكمة الدستورية الصادر يوم الخميس الماضي ليدشن حلقة جديدة من الصراع السياسي في تركيا بين التيارين العلماني والإسلامي، فقد رفضت المحكمة التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان للسماح بارتداء الحجاب في الجامعات.
وهو ما يدفع الساحة التركية نحو احتمالات مفتوحة للصراع الداخلي. ويمكن اعتبار قرار المحكمة الدستورية، بالموافقة على اعتراض حزب الشعب الجمهوري وحزب اليسار الديمقراطي، على تلك التعديلات، مقدمة لقرار سوف يصدر عنها قريبا حول حظر حزب العدالة والتنمية، وهذا الحكم الأخير يرجح أن تصدر المحكمة قرارها بالحظر حيث صدر حكم الحجاب بموافقة 9 قضاة ورفض قاضيين فقط، بما يعنى أن الغالبية العظمى من قضاه المحكمة الدستورية يتبنون التصور الاتاتوركي لعلمانية الدولة.
وبعيدا عن الآراء التي صدرت عقب صدور قرار المحكمة والتي أجمعت على أن الحكم بمثابة محطة في مسار انقلابي متعدد المراحل، ينتظر أن يستكمل أهدافه النهائية مع الاحتمال القوي بحظر قضاة المحكمة الدستورية أنفسهم للحزب الحاكم ومنع زعيمه رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان و71 من قادته، بينهم رئيس الجمهورية عبد الله غول، من العمل السياسي لمدة خمس سنوات، والذي يتوقع أن يصدر خلال الأسابيع المقبلة. فإن الواجب التفكير فيه هو أسباب تدشين النخبة العلمانية لهذه المرحلة الجديدة من الصراع بعد ما بدا واضحا أنها اعتمدت صيغة من التعايش مع حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002 وحتى الآن.
ونستطيع أن نحدد عددا من الأسباب تقف وراء هذه الحلقة الجديدة من الصراع منها ما هو متعلق بحزب العدالة والتنمية نفسه والآخر متعلق بالنخبة العلمانية بجناحيها المدني والعسكري. فلا نستطيع أن نتجاهل أن العدالة والتنمية ومنذ انتخابات رئاسة الجمهورية اخذ في استفزاز النخبة العلمانية عن طريق إجراءات متعددة من شأنها تغيير بنية الدولة، خاصة من الناحيتين القانونية والسياسية، إضافة إلى أن ممارسات الحزب أكدت انه يريد الهيمنة على العملية السياسية بالكامل ولا يريد أن يشاركه فيها أي من القوى السياسية الأخرى، وهو الأمر الذي وسع من دائرة معارضي الحزب وأعطى شرعية للإجراءات التي تمارس ضده.
على الجانب الآخر فإن النخبة العلمانية وجدت أن موافقتها على تولي حزب العدالة والتنمية حكم البلاد لم يحقق النتائج المرجوة منها خاصة فيما يتعلق بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن أنها وجدت أيضاً أنها تشهد عمليه تغيير بنية الدولة بصورة كاملة من دون أن تستطيع أن تفعل شيئاً، وهو الأمر الذي دفعها إلى التدخل عن طريق المحكمة الدستورية لوقف عملية تغيير بنية الدولة أكثر من مرة آخرها فيما يتعلق بقانون ارتداء الحجاب في الجامعات.
إضافة إلى ذلك فإن استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً تؤكد تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية بما يعني أن الشعب التركي لم يعد يدعم الحزب بنفس الدرجة التي كان عليها تأييده من قبل وهو ما يؤكد أن إجراء انتخابات جديدة في حال حظر الحزب لن يؤثر على حالة الاستقرار السياسي التي تشهدها تركيا في الوقت الراهن. بما يعني في النهاية أن تكاليف الأمر ستكون في حدودها الدنيا، أي أن عواقب هذه الحلقة الجديدة من الصراع كانت محسوبة بدقة من قبل النخبة العلمانية.
ونستطيع القول إن النخبة العلمانية في تحركاتها الأخيرة كانت تريد أن تضع العدالة والتنمية في موقع رد الفعل تحسبا منها بألا يكون هو الفاعل، وذلك من أجل إجباره على التوقف عن محاولاته المستمرة لتعديل بنية الدولة.
فالملاحظ أن الحزب أصبحت تحركه حاليا هواجس مواجهة محاولات الحظر، بعدما كانت تحركاته في السابق تستهدف إحداث التعديلات القانونية المطلوبة من كوادره، والتي كانت تستفز النخبة العلمانية.
أي أننا لا يمكن أن نستبعد أن تكون التحركات في مواجهة العدالة والتنمية هي في الأساس مناورة سياسية من قبل النخبة العلمانية تستهدف إجباره على التوقف عن أسلوبه في تعديل بنية الدول وعلى السماح لقوى سياسية أخرى لمشاركته في العملية السياسية وعلى الانفتاح على القوى الأخرى التي أخذ الحزب في تجاهلها في العام الأخير أي منذ إجراء الانتخابات الرئاسية.
بما يؤكد أن قرار حظر الحزب ليس قدراً محتوماً، وقد يكون قرار المحكمة الأخير ما هو إلا صورة من صور الضغط على الحزب من أجل الرضوخ لما تريده النخبة العلمانية.
فالحاصل ان حظر الحزب وإن كانت تكاليفه السياسية حاليا أقل عن ذي قبل إلا أنها يمكن أن تخل بالتوازن السياسي الحالي في تركيا ولا يستطيع أحد أن يتكهن بالآثار المتوقعة لمثل هذه الخطوة لأنها لن تقتصر فقط على الداخل التركي وإنما تمتد آثارها إلى علاقاتها الإقليمية والدولية، وكل ذلك يعني أن الخيارات مفتوحة أمام النخبة العلمانية في الوقت التي تضيق أمام العدالة والتنمية الذي أصبح في موقف المدافع عن وجوده إزاء الهجمة الأخيرة من النخبة العلمانية عليه.
فالمؤكد أن الحلقة الجديدة من الصراع السياسي التركي قد بدأت بالفعل بين النخبة العلمانية وحزب العدالة والتنمية، ولكن الأمر غير الواضح حتى الآن هو حدود هذه الحلقة وهل ستصل إلى مرحلة كسر العظام أم أنها ستقتصر فقط على المناورات السياسية من أجل دفع الحزب إلى التنازل عن برنامجه السياسي أو بعض البنود التي يتضمنها وتستفز النخبة العلمانية.
كاتب مصري
