هل سيموت العالم جوعاً بعد عشرين عاماً؟ يبدو أن الأمر ليس خيالا علميا بقدر ما هو حقيقة ماثلة ومقلقة. وسائل الإعلام تستخدم اليوم مصطلحات أقل وطأة على النفس البشرية: نقص المواد الغذائية، أزمة غذاء، غلاء في الأسعار، إلخ. في تصوير الموقف الذي بدأت ملامحه تفرض نفسها منذ سنوات قريبة.
المصطلح الأقرب للحقيقة هو أننا على وشك مواجهة حدوث (مجاعة عالمية) لا محالة. بالطبع حين نتحدث عن مجاعة فإننا لا نشير إلى أغنياء العالم الذين يعيشون في يخوت أو بيوت سعر الواحد منها يكفي لزراعة ألف حقل من القمح والأرز. بل نشير إلى قارات بكاملها مهددة بانقراض سكانها، وعلى رأسها افريقيا وآسيا وربما أوروبا بعد حين، والتي لم تتعرض عبر التاريخ كغيرها من القارات لضربات المجاعات.
وقائمة الشعوب التي أصيبت في الماضي والحاضر بوباء نقص الغذاء طويلة جدا يصعب تفصيلها هنا. ولكننا حينما نضرب مثلا بدولة افريقية كأوغندا دفنت في الثمانينات من القرن الماضي (أي قبل عشرين سنة فقط) أكثر من 21% من سكانها ممن ماتوا جوعا منهم 60% من الأطفال،
وأن الصين فقدت في القرن ال19 أكثر من 45 مليونا من سكانها ممن ماتوا بنفس الطريقة، وهلم جرا في الهند وأوروبا الغربية وغيرها من دول العالم، فذلك لكي نؤكد بأن للجوع صولات وجولات على مدى تاريخ البشر، ولا نستثني منه القرن الواحد والعشرين ولا القرن الثلاثين هذا إن لم يكن وقتها قد هلكت جميع كائنات كوكب الأرض بسبب الجوع والحروب القائمة بين الشعوب وغلاء الأسعار والتلوث البيئي ونتائج العولمة الكارثة على الفقراء.
ناقوس الخطر بدأت تدقه الأمم المتحدة منذ فترة قصيرة عندما أحست بتفاقم المعضلة محذرة من كوارث غذائية لا مفر منها في السنوات القادمة ولأسباب عدة. على رأسها: تضاعف عدد سكان الكرة الأرضية بشكل مفرط، الاتجاه نحو تحويل المنتجات الغذائية إلى (وقود حيوي) يغذي مصانع الدول العظمى، تناقص نسبة الأمطار بشكل ملحوظ وتدني منسوب الأنهار
زيادة على التلوث وما ينتج عنه من كوارث بيئية مميتة، وهجرة معظم سكان القرى من الفلاحين والمزارعين إلى البحث عن لقمة العيش في المدن الكبيرة، إضافة إلى استمرار ارتفاع أسعار الوقود (أكثر من 200 دولار للبرميل الواحد) ما نتج عنه من زيادة أسعار المواد التي تعتمد عليها أنظمة الفلاحة الحديثة والتي أدت حتى إلى زيادة أسعار البذور،
إضافة إلى الاتجاه العام نحو إنتاج المحاصيل الرديئة واستخدام المواد الكيماوية بكثرة مفرطة ما أدى إلى تدمير التربة الزراعية عن بكرة أبيها، ناهيك عن استمرار الحروب وما ينتج عنها من عدم استقرار وغلاء وفرار السكان الأصليين إلى الخارج
كما حصل في العراق وهي نموذج للدول الزراعية الرئيسية في العالم التي تحولت خلال 20 عاما إلى ساحة حرب تستخدم فيها كافة الأسلحة الكيماوية منذ حربها مع إيران وغزو الكويت وصب مليارات البراميل النفطية في مياه الخليج أو حرقها وتلويث البيئة برا وبحرا وجوا، وغيرها من الأمور التي ساهمت وتساهم اليوم في نقص الغذاء في العالم. كم منا يعلم بأن العالم قد خسر حتى الآن أكثر من 40% من الأراضي الصالحة للزراعة؟ والأخبار الآتية يبدو أنها لا تدعو للتفاؤل.
في السابق كنا نتحدث عن مجاعة محددة في احدى قرى إحدى الدول الإفريقية، ثم تحدثنا عن مجاعة على مستوى بلد: الصومال وبنغلاديش على سبيل المثال. ثم تطور الأمر بنا لنتحدث عن مجاعة على مستوى قارة: افريقيا وآسيا. واليوم أمسينا نتحدث عن (مجاعة عالمية) Global food crisis.
والعالم ليس له مفر من مواجهة هذه الأزمة. وهي ليست مجرد أزمة مستقرة عابرة كأزمات الحروب والكوارث الطبيعية والأوبئة، ولكنها أزمة حقيقية متصاعدة ومتسارعة. وحيث ان الأمور مترابطة ومتداخلة، فإن أزمة توفر المواد الغذائية الرئيسية نتيجة لمجموعة من الأسباب التي ذكرناها قبل قليل أدت إلى أزمة غلاء الأسعار.
وهذه أدت بدورها ـ خاصة في حالات المجتمعات الفقيرة ـ إلى عدم قدرة هذه المجتمعات على الشراء، وبالتالي إلى البحث عن بديل، خاصة وأن البديل هو بيع هذه المنتجات بأسعار باهظة إلى شركات تحويل المواد الأساسية إلى وقود حيوي.
وهكذا تدور كرة الثلج على نفسها وتكبر دون قدرة على وقفها حتى تحطم كل من يقف أمامها. فهل ستتدخل الدول العظمى في تجنيب نفسها والبشرية معها من كارثة الموت المحقق؟ حيث ان كرة الثلج هذه لن تقع نتائجها السيئة فقط على الدول الفقيرة في افريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، بل ستمتد إلى كثير من دول العالم الغنية وسوف تدمر الأخضر واليابس.
الحل هو العودة من جديد لتحكيم المنطق في التعامل مع الكائنات الحية عموما والكائن البشري بشكل خاص. ويبدو أن غلبة النظام المادي على النظام الأخلاقي في العالم بهدف زيادة الربح قد أدت إلى ما نحن عليه اليوم. وإذا ما اقتنع العالم المتحضر والصناعي بالدرجة الأولى بأن الإنسان صاحب قيمة تعلو قيمة المادة، فحينها فقط نستطيع أن نوجد حلا لبعض لأزمات التي نمر بها.
وحيث أن الصناعة بكافة درجاتها، بدءا من صناعة الأسلحة النووية المعقدة إلى صناعة المواد البلاستيكية البسيطة ينتج عنها تدمير للبيئة سواء من خلال الحروب المدمرة أو ما تبثه أدخنة مصانعها من ملوثات بيئية متعددة.
فإن التقليل من إنتاج هذه المواد فقط قد يعود بنا بعد مئة سنة من الآن إلى ما كانت عليه البشرية قبل خمسين سنة فقط، وقد يتحسن طقس الكرة الأرضية التي تبخرت مياهها وذابت ثلوجها وجفت معظم أنهارها وينابيعها وعيونها بسبب ارتفاع درجة حرارتها التي تعدت ال45 درجة مئوية في أوروبا الغربية الشمالية في فصل الصيف مثلا. عندها سنجد حلا لمئة مليون معرضين اليوم للموت جوعا أو لسوء التغذية في العالم حسب إحصائية الأمم المتحدة نتيجة لزيادة أسعار السلع بنسبة بلغت 40%.
المساعدات بملايين الدولارات التي تتبرع بها بعض الدول الغنية (وهي دولارات مدفوعة مسبقا من دم الفقراء على شكل معونات إنسانية؟) لا تمثل شيئا بالنسبة لحجم الكارثة ولا يوقفها ولا يضع لها حلا دائما. إنه مجرد ذر للرماد في العيون.
كما أن تكلفة صناعة الأسلحة الحربية بكافة أنواعها والتي تخصصت في إنتاجها الدول المتقدمة تكفي لزراعة العالم بكافة أنواع المحاصيل الزراعية التي ستكفي لجميع سكان الأرض. ولكننا حين نقوم مع سبق الإصرار والترصد بتحويل المواد الغذائية إلى وقود لمصانع إنتاج تلك الأسلحة وغيرها، وحين نلقي بملايين الأطنان من المواد الغذائية في البحر لكي نحافظ على سعرها المرتفع في السوق، فهذا يعني أن الإنسان أصبح يعيش بالمقلوب.
جامعة الامارات