في الخامس من هذا الشهر حلت تلك الذكرى المؤلمة، ذكرى ما حدث في 5 يونيو 1967، أي منذ 41 عاماً، وعلى الرغم من كل ما كتب عن هذا الحادث الفظيع، فإني أعتقد أنه ما زالت هناك أشياء مهمة لم تقل بعد، ومن المفيد أن تُقال.

من هذه الأشياء التساؤل عما إذا كان ما حدث في 5 يونيو والأيام القليلة التالية، يمكن أن يعتبر حرباً على الإطلاق. إن هذا الوصف، أي وصف ما حدث بالحرب، رغم شرعيته، ليس في محله تماماً، بل فيه تجاوز عن بعض الحقائق المهمة.

فإن ما حدث في 5 يونيو »هجمة« مباغتة وسريعة حققت أهدافها العسكرية في لمح البصر، دون أن تقابل بأي محاولة جدية لصد الهجوم أو تتطور إلى كرّ وفرّ، أصبحت نتيجة هذه الهجمة معروفة لذوي الشأن بعد ساعات قليلة من بدايتها، فإذا تحطمت الطائرات المصرية على أرض المطار (وبعضها كان لا يزال في الصناديق).

لم تعد لدى بالجيش المصري أي فرصة حقيقية لمنع الهجوم على سيناء واحتلالها، ومنع وصول الجيش الإسرائيلي إلى قناة السويس، وهكذا سرعان ما صدرت الأوامر للجيش المصري بالانسحاب من سيناء دون أي مواجهة جدية بين الجيشين. فأين كان القتال؟ وأين حدث الاشتباك الذي يبرر تسمية ما حدث بــ»الحرب«؟

لم يكن لأي من الطرفين مصلحة في أن يسمى ما حدث باسمه الحقيقي، فالإسرائيليون وجدوا من الأفضل أن يسمّوا ما حدث انتصاراً في حرب على أن يسموه نجاحاً لهجمة خاطفة. والنظام المصري لم يجد بأساً في تسمية ما حدث حرباً لكي يستبعد فكرة أنه لم يكن مستعداً بتاتاً لمواجهة هجمة من هذا النوع.

وقد ظلت الدعاية الرسمية لعدة أيام، حتى بعد أن شاع الخبر بأن الجيش المصري فقد أي قدرة على الدفاع، تؤكد أننا على وشك الانتصار، نعم، لم تكن تسمية ما حدث بالحرب ملائمة تماماً للنظام المصري,ففي الحرب لابد من منتصر ومهزوم, وكلمة الهزيمة صعبة على النفس وجارحة.

ومن ثم اهتدى النظام إلى تلك الكلمة الغريبة التي لا تُستخدم عادة في مثل هذه الظروف، ومع ذلك ظلت تُستخدم منذ يونيو 1967 لسنوات وسنوات حتى تعوّد الناس (حتى المعارضين للنظام) على استخدامها، كانت هذه الكلمة هي »النكسة« وقد كان اختيارها عملاً عبقرياً لولا إفراطه في الاحتيال والتضليل.

فوصف ما حدث في 5 يونيو 1967 بأنه »نكسة« يوحي بعدة أمور: أولاً، أن النظام المصري كان في صحة تامة وعافية قبل أن تصيبه هذه الصدمة، وثانياً أن ما حدث شبيه بما حدث لشخص بصحة جيدة من إصابة يصعب توقعها وتوقيتها، ومن ثم فلا ملام عليه إذا أصيب بها. وثالثاً أن ما حدث هو على كل حال شيء بسيط مثلما يحدث عند انتكاس صحة المريض، فهو ليس ضربة قاضية بل هو شيء أشبه بالوعكة الصحية التي يمكن بعدها استرداد الصحة كاملة.

من الواضح ما ينطوي عليه وصف النكسة من تضليل، فالنظام المصري لم يكن في أحسن حال، وكان عليه توقع ما حدث والاستعداد له ولكنه لم يفعل. والذي حدث أقرب إلى الضربة القاصمة منه إلى الوعكة، ومن ثم فإن العودة إلى ما كان عليه الحال قبل حدوثه ليس أمراً سهلاً على الإطلاق، بل الحقيقة أن العودة إلى ما كان عليه الحال قبله لم تحدث حتى الآن، أي بعد مرور أكثر من أربعين عاماً على الحادث.

لم يكن ما حدث في 5 يونيو 1967 حرباً حقيقية، إذن ولا مجرد نكسة، ولكن من الصعب أيضاً وصفه بالهزيمة، فالهزيمة تفترض نشوب حرب (أو على الأقل مباراة) يشتبك فيها الطرفان بعض الوقت، ويبذل فيها كل طرف بعض الجهد للانتصار على الآخر، ولكننا نعرف أن هذا كان بعيداً جداً عن الحقيقة، فالضربة كانت قصيرة الأمد جداً، والاشتباك كان محدوداً للغاية، لهذا كنت أشعر دائماً بعدم الارتياح لدى استخدام أو سماع وصف ما حدث في 1967 بالحرب أو الهزيمة أو النكسة، إذ لم أر فيه إلا ضربة مباغتة وُجهت لطرف غير مستعد لها، ومن ثم لم يكن هناك مفر من النتيجة.

المدهش جداً في ما حدث أنه لا المصريون ولا العرب بصفة عامة كانوا يدركون إلى أي مدى كانت درجة عدم الاستعداد، وقد كان هذا عاملاً مهماً لزيادة قوة الصدمة وشدة الشعور بالإحباط، بل من المدهش أيضاً كيف كان كبار مفكرينا ومحللينا السياسيين، مثلهم مثل عامة الناس، لا يدركون بالمرة درجة عدم الاستعداد.

لم يكن سبب هذا مجرد قدرة الآلة الإعلامية وكفاءتها »بل إن هذه الكفاءة تبدو الآن مشكوكاً فيها« بل كان السبب الأهم في عموم الهزيمة شدة الرغبة في تحقيق الآمال التي أثارها النظام المصري منذ قيام ثورة 1952، والتي قواها ما حققته الثورة من إنجازات في السنوات السابقة على 1967 في مجالات أخرى غير المجال العسكري، كان ارتفاع مستوى الآمال سبباً كافياً لأن يخدع المرء نفسه إلى هذه الدرجة، فيظن أن له من الثورة ما ليس له، وأن النظام مستعد وهو غير مستعد بالمرة.

كانت الصدمة شديدة والشعور بالإحباط لمبلغ القوة، وكان ما حدث جديراً بلا شك بإثارة حزن عميق، ولكن الذي كان جديراً بإثارة هذا الحزن العميق، لم يكن بالضبط الهزيمة الساحقة في حرب، وليس بالضبط حدوث »نكسة«، بل كان هو هذا الإدراك المفاجئ لتلك المفارقة الشنيعة بين حجم المباهاة والإعجاب بالنفس اللذين أبداهما النظام قبل 5 يونيو 1967، وبين درجة عدم الاستعداد، والسهولة التي تم بها خداعنا بتصوير قوتنا واستعدادنا أكثر بكثير مما كانا.

نعم كان هناك أيضاً ما يحزن في مجرى السياسة الدولية وفي علاقات القوة وفي تصميم الولايات المتحدة على مساندة إسرائيل ودعمها، وفي تراجع الاتحاد السوفييتي عن الوقوف إلى جانبنا لأسباب تتعلق بمصالحه, هو كان هناك ما يحزن في هذا أيضاً، ولكن لم يكن هناك شيء جديد في هذا الأمر في الواقع. فالسمكة الكبيرة تهاجم السمكة الصغيرة دائماً وتلتهمها، وقد كانت إسرائيل سمكة صغيرة تحميها وتقف وراءها سمكة كبيرة جداً. المحزن أننا لم نكن نرى ذلك، أو بالأحرى، تم إيهامنا بعكس ذلك بالضبط.

كاتب مصري

writers@albayan.ae