يبدو أن الفلسطينيين تأخروا كثيراً في النظر بجدية، والبحث عن حلول معقولة لحالة الانقسام التي تعصف بهم وبوحدتهم وأهدافهم الوطنية، بعد الانقلاب الذي قامت به حركة حماس قبل عام وأدى إلى سيطرتها على قطاع غزة، ومكَّن إسرائيل أكثر من التحكم بالمصير الفلسطيني.

فقد لا ينفع استدعاء نموذج الحل العربي للأزمة اللبنانية التي انتهت بصيغة غالب ومغلوب، طالما تصر حركة حماس على أن يتم التدخل العربي على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، هذا فضلاً عن قوة حضور العامل الإسرائيلي في معادلة الوضع الفلسطيني.

خلال العام الماضي، جرى تكريس مظاهر الانقسام وتعميق آلياته، بما يؤشر إلى اتساع الهوة بين الطرفين فتح وحماس، ويضع الفلسطينيين أمام حقائق مختلفة لما يقال عبر وسائل الإعلام عن أسباب ودوافع انقسام الصراع، والتي تشير الوقائع إلى وجود برامج وأهداف متناقضة سياسياً واجتماعياً، ليس من السهل تجاوزها.

راهنت حركة حماس على أن يفرض صمودها على الأرض أمام الحصار والعدوان، حقائق سياسية، ترغم كل الأطراف الأخرى، الفلسطينيون والإسرائيليون والعرب والمجتمع الدولي على التعامل معها باعتبارها قوة لا يمكن تجاوزها في كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني والفلسطيني ـ الإسرائيلي.

وراهنت حركة فتح على أن الحصار المفروض على حركة حماس في قطاع غزة، وعدم قدرة حماس على اختراق الحصار سياسياً، سيؤدي بها إلى التراجع عن نتائج الانقلاب الذي قامت به، وعلى إضعاف شعبيتها، وبالتالي عودتها إلى حضن الشرعية الفلسطينية، والعمل السياسي من مواقع أضعف.

وبسبب اختلاف الدوافع والبرامج فشلت كل المحاولات والمبادرات التي قدمتها فصائل العمل الوطني، في جمع الطرفين إلى طاولة حوار يؤدي إلى إنهاء حالة الانقسام، وفي الحقيقة ظلت حركة حماس تفضل الجلوس على طاولة حوار عربية أو دولية. المراهنات التي أقامتها الحركتين فشلت رغم مرور فترة طويلة، فحماس لم تنجح في اختراق الحصار رغم صمودها، وكثرة محاولاتها، لكنها لم تخضع أيضاً أو تتنازل عن أهدافها، رغم آلام الحصار ورغم تراجع شعبيتها.

آخر المحاولات الفاشلة، جاءت عبر استجابة حركة حماس للجهد المصري الساعي منذ ما يقرب من شهرين لإبرام اتفاق تهدئة مع الجانب الإسرائيلي، كانت تأمل حماس أن يؤدي إلى وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وفتح المعابر، أو بعضها وتخفيف الحصار مقابل وقف إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية.

حماس كانت تراهن على اعتراف إسرائيلي ولو غير مباشر بدورها، وعلى إمكانية كسر الحصار مما يعد انتصاراً لخطاب المقاومة، وتكريساً لما قامت به، خصوصاً في ضوء تعثر المفاوضات السياسية الفلسطينية الإسرائيلية. غير أن إسرائيل التي تتلاعب بالتناقضات الفلسطينية، لا يسعدها أن تحظى حماس بمثل هذا الامتياز، كما أنها ليست سعيدة بأن يحقق المفاوض الفلسطيني أي امتياز وإنجاز.

فلقد رفضت عملياً حكومة أولمرت عروض التهدئة التي جاءت عبر الوساطة المصرية، وظلت تقدم المزيد من الشروط حتى بعد أن وافقت حماس فعلياً على تهدئة مقابل تهدئة، مع وعود تدرك حماس أنها لن تتحقق بشأن تخفيف تدريجي للحصار، وفتح تدريجي لمعبر رفح.

الأحد الماضي أول أيام هذا الشهر، أجَّل رئيس الحكومة ايهود أولمرت الاجتماع الوزاري الأمني الذي كان مخصصاً لبحث التهدئة، أو إقرار القيام بعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، وأوقف سفر المستشار السياسي في وزارة الدفاع عاموس جلعاد إلى مصر لمتابعة ملف التهدئة. ولتأكيد رفضه للتهدئة، اتهم أولمرت وزير دفاعه ايهود براك بالعمل من وراء ظهر الحكومة، من أجل إبرام اتفاق مع حركة حماس بوساطة مصرية.

في الواقع فإن أغلبية وزراء حكومة أولمرت عبروا عن رفضهم للتهدئة، التي يؤيدها لأسباب انتهازية وزير الدفاع براك، الذي يسعى لمنع أولمرت من التغطية على فضيحته من خلال عملية عسكرية ضد قطاع غزة، قد تؤدي إلى تخفيف حدة الأزمة الداخلية.

التجربة مع الإسرائيليين تفيد بما يشبه التأكيد على أن الفلسطينيين دائماً كانوا يدفعون ثمن الأزمات السياسية الداخلية في إسرائيل، والأزمة الراهنة ليست استثناءً، فالمؤشرات على اقتراب موعد القيام بعدوان واسع على قطاع غزة باتت أكثر وضوحاً، وربما يشكل الحصول على ضوء أخضر من الإدارة الأميركية أحد أهداف زيارة أولمرت لواشنطن.

أولمرت المأزوم والضعيف، والمصمم على متابعة مسؤولياته رغم كثرة السكاكين التي جرَّدها خصومه وحتى حلفائه، وبعض أعضاء حزبه، أولمرت هذا أكثر خطورة، وهو يسعى لدى واشنطن لتأمين حماية له لمواصلة دوره، خصوصاً وأن المدعي العام لم يقدم له لائحة اتهام رسمية حتى الآن، ما يعني أنه يملك فرصة للتملص من الاستقالة أو الإقالة.

غير أن واشنطن التي تتطلع إلى استقرار الحكومة الإسرائيلية لإنجاز تقدم في مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين، لن تمنح أولمرت غطاءً مجانياً، الأمر الذي يدركه أولمرت، ودفعه للقاء الرئيس محمود عباس قبل توجهه إلى واشنطن، بأمل التوصل إلى ملامح اتفاق أو تعهدات يعرضها أولمرت على الرئيس بوش، مما يعني أن نتائج لقاء عباس- أولمرت ستظهر بعد عودة الأخير من واشنطن.

الأطراف الفلسطينية المتصارعة والمنقسمة، تدرك تماماً أبعاد ما يخطط له أولمرت، ولذلك اجتهدت حركة حماس في طلب تدخل عربي لمعالجة الأزمة الفلسطينية، ولكن من دون أن تقدم جديداً على مواقفها السابقة، في حين تحدث الرئيس محمود عباس خلال لقائه مع وزير الخارجية الألماني يوم الأحد الماضي في رام الله، تحدث عن أن السلطة تفكر في طلب تدخل دولي أو عربي لإنهاء ما أسماه مأساة قطاع غزة.

اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعها يوم الاثنين الماضي، طالبت بتنفيذ مبادرة الرئيس اليمني على عبد الله صالح، وقرارات القمة العربية الأخيرة في دمشق، غير أن لا هذه المواقف ولا مساعي حركة حماس يمكن أن تؤدي إلى استباق العملية لعسكرية الإسرائيلية الواسعة على قطاع غزة.

ففي ظل غياب العوامل المساعدة على إنجاح جهد عربي لم يتبلور بعد، تحضر بقوة الدوافع الإسرائيلية لتصعيد الوضع، ما لم يتغير في الوضع الفلسطيني بدوافع ذاتية ربما يتغير بتدخل إسرائيلي، مما يجعل الفلسطينيين يدفعون ثمناً إضافياً كبيراً بسبب عنادهم، ومراهناتهم الخاسرة.

alalokal@hotmail.com

كاتب فلسطيني