القلق الذي يساور الأوساط الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني يتركز في ثلاثة محاور:

1. إنتاج المواد القابلة للانشطار خلال عملية تخصيب اليورانيوم التي تصر إيران على رفض تعليقها.

2. تطوير الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى.

3. بناء رؤوس نووية حربية.

والحقيقة إن ضمان القدرة على امتلاك السلاح النووي يتطلب النجاح في المحاور الثلاثة المذكورة بالطريقة التي تجعلها تندغم لتصبح محوراً واحداً. أي النجاح في وضع اليورانيوم العالي التخصيب داخل الرأس النووي موزعاً في كتلتين حين تلتقيا تشكلان ما يعرف بالكتلة الحرجة المؤهلة للانفجار، ووضع هذا الرأس في صاروخ ذي مدى يفي بالغرض لإيصاله إلى الهدف المقرر تدميره عند الضرورة.

المحور الأول هو الذي تصدر الأخبار الرئيسية التي تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني على مدى السنوات الماضية رغم أن المحور الثاني لم يكن غائباً في وسائل الإعلام، الإيرانية منها على وجه الخصوص.

تخصيب اليورانيوم هو مفتاح المشروع برمته والأكثر مدعاة للقلق لدى الأوساط الغربية خاصة وان عملية التخصيب هذه قد تسارعت بشكل ملحوظ منذ عام 2006 حيث نصبت إيران آلاف الوحدات الخاصة بالعملية، وتسارع كذلك بنمط مقارب تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية وزيادة مدى الصواريخ.

صناعة الرأس الحربي النووي هو الذي تم تعليقه حسب ما ورد في التقرير الذي أصدره مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي (إن آي إي) عام 2007 والذي جاء فيه أن إيران كانت لديها نوايا لصناعة سلاح نووي أوقفته في خريف عام 2003، والآن ومنذ صدور التقرير المشار إليه الذي أبعد شبح المواجهة الساخنة مع إيران مؤقتاً يعود الموضوع بقوة إلى واجهة الأحداث إثر التقرير الذي نشرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في السادس والعشرين من مايو المنصرم والذي أشارت فيه إلى قلقها المتزايد بشأن البرنامج النووي الإيراني:

1. رفض طهران الانصياع إلى قرارات مجلس الأمن الدولي بوقف تخصيب اليورانيوم.

2. قيام خبراء إيرانيين بدراسات افتراضية لصنع رؤوس نووية وتحويل الصاروخ شهاب 3، إلى سلاح نووي. وفي هذا الصدد قال دبلوماسيون قريبون من مسار الأحداث هذه ان الأمم المتحدة قد تلقت معلومات استخبارية من نحو عشر دول بشأن اشتراك إيران في دراسات وأعمال هندسية أو مشتريات قد يكون لها علاقة بتصميم وصنع قنبلة نووية.

وأشار التقرير الذي اتسمت لهجة الخطاب فيه بشدة لم تعهدها طهران من قبل الى أن «على إيران أن تقدم معلومات جوهرية إذا أرادت إقناع المجموعة الدولية بأن برنامجها النووي سلمي». فما قدمته إيران حتى الآن من معلومات وما اتخذته من مواقف لم يستطع تبديد مخاوف الوكالة حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني. وسيعرض هذا التقرير للبحث أمام مجلس حكام الوكالة خلال اجتماعه في الفترة الواقعة بين الثاني والسادس من يونيو الجاري.

صدر أول رد فعل رسمي من إيران على لسان رئيس البرلمان الجديد علي لاريجاني بعد يومين على النشر جاء فيه ان الضغوطات التي تمارسها الوكالة قد تدفع إيران إلى إعادة النظر بمستويات التعاون معها. وهكذا عادت لعبة الشد والجذب التي شغلت وسائل الإعلام على مدى السنوات الماضية.

وحول الدراسات الافتراضية التي أشار إليها تقرير الوكالة كشف رئيس فرق التفتيش التابعة للوكالة في التاسع والعشرين من مايو المنصرم عن وثيقة تحمل اسم «معدن اليورانيوم» تقع في 15 صفحة حول استخدام اليورانيوم في رأس نووي. ولهذه الوثيقة قصة طويلة ترجع إلى عام 2005 حين عثر مفتشو الوكالة عليها مصادفة أثناء قيامهم بتفتيش منشأة افترضوا أن لها أنشطة عسكرية.

وقد سمحت السلطات الإيرانية للمفتشين في حينه بالاطلاع عليها إلا أنها لم تسمح لهم باستنساخها. وقد ذكر الخبراء الإيرانيون بأنهم قد حصلوا على هذه الوثيقة عرضاً عام 1987 مع وثائق عن استخدام أجهزة الطرد المركزي ولم يقوموا بطلبها بالذات، إلا أن إيران لم تسلم هذه الوثيقة إلى الوكالة لتصبح جزءاً من ملفها النووي إلا في مطلع نوفمبر عام 2007 مما اعتبرته الوكالة في حينه تلكؤاً في التعاون.

ويأتي هذا التصعيد في الموقف من الملف النووي الإيراني في وقت تتزامن فيه بضعة أحداث لا تبدو عفوية أو مستقلة عن بعضها، ومن المرجح أن نشهد في الفترة القادمة استمراراً في التصعيد قد يكون مقدمة لمواجهة أكثر سخونة مع قرب انتهاء الفترة الرئاسية الأخيرة للرئيس الأميركي بوش، فالمؤتمر الدولي الذي عقد في القدس خلال أيام الاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس الدولة الإسرائيلية في مايو المنصرم تحت عنوان «التهيؤ لمواجهة المستقبل».

كان البرنامج النووي الإيراني حاضراً في أجندته ومن على منصة الخطاب في هذا المؤتمر وقف وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في الرابع عشر من مايو المنصرم ليقول ان «إيران النووية ليست تهديداً لإسرائيل فحسب وإنما خطر يهدد المجتمع الدولي برمته».

وأضاف إلى قوله هذا ان «الجميع يعبر عن عدم قبوله لاستمرار إيران في برنامجها النووي إلا أن لا أحد يتكلم حول كيفية إيقاف ذلك ولا يضع جدولاً زمنياً للتنفيذ، وإن لم يتم معالجة هذا الموضوع سريعاً فإن دولاً أخرى ستحذو حذو إيران، ما يشكل كارثة كبيرة تحيق بالعالم».

من المهم الإشارة في هذا المجال الى أن الطاقة النووية والحصول على التقنيات الخاصة بالتعامل معها أصبحت في الوقت الحاضر من البنى التحتية لمشاريع التنمية لدى العديد من دول العالم، ومن المتوقع أن يتسع مدى استخدامها كثيراً في المستقبل وذلك لكونها مصدراً رخيصاً لإنتاج الطاقة الكهربائية ووسيلة لا مفر من اللجوء إليها بعد عصر النفط.

وفي هذا السياق يتحتم على الجهات الدولية ذات العلاقة بالمعارف والتقنيات الخاصة بالطاقة النووية أن تولي هذا الموضوع عناية خاصة وتعمد إلى البحث عن استراتيجيات جديدة لمنع انتشار الأسلحة النووية، ولعل نزع السلاح النووي لجميع دول العالم في إطار نظام دولي جديد هو الحل الأنجع.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae