عقدت في روما في منتصف الأسبوع الماضي قمة لرؤساء دول ورؤساء وزارات ووزراء بحثت مشكلة أزمة الغذاء العالمي وارتفاع الأسعار والعوز والجوع الذي يجتاح العالم وخاصة الدول الفقيرة حيث يحاول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبعض المؤسسات المالية الدولية والشركات الرأسمالية إقناعنا منذ تفجر الأزمة بأن ارتفاع أسعار السلع الغذائية وارتفاع الأسعار عامة في العالم كله التي زادت 83% خلال ثلاث سنوات.

يعود إلى ارتفاع أسعار النفط أو مشكلات الائتمان العقاري والقروض العقارية في الولايات المتحدة أو انخفاض سعر الدولار، إضافة إلى بعض الأسباب الأخرى الثانوية، ولاشك أن ذلك تضليل واضح ومحاولة لإبعاد الشبهة عن النظام الرأسمالي والاحتكاري الذي يسود العالم اليوم وعن السياسة الاقتصادية الأميركية وعولمتها التي فرضتها أو تريد فرضها على البلدان كلها.

تشير الدراسات الجادة إلى أن زيادة الأسعار تعود لأسباب بنيوية عالمية أكثر شمولاً وعمقاً جاءت نتيجة تراكم في الممارسات الاقتصادية وتمركز رأس المال العالمي وتطبيق اقتصاد السوق حسب المفهوم الأميركي أي بدون ضوابط وبمعزل عن الحاجات الاجتماعية للفئات الدنيا من المجتمع ومركزة القرار الاقتصادي العالمي ومقتضيات تطبيق اتفاقية التجارة العالمية (الجات) وإضعاف دور الدولة في العملية الاقتصادية باسم الاستجابة لمبدأ الحرية الاقتصادية إضافة إلى أسباب أخرى محلية تعود لحكومة كل بلد وسياساتها والظروف المحيطة بها.

بعد فرض العولمة الأميركية زاد تمركز الرأسمال العالمي وصادرت الاحتكارات القرار الاقتصادي العالمي، وغدت البلدان الأقل تطوراً أي بلدان المحيط تتأثر هي ومجتمعاتها كلياً بقرار بلدان المركز وضاقت هوامش الفرص أمامها في أن تختط السياسة الاقتصادية (وغير الاقتصادية) التي تريدها أو التي تناسب مصالح شعوبها.

تحت شعار تطبيق اقتصاد السوق الذي قيل إنه سيخلق التوازن الاقتصادي داخل كل بلد وبين بلدان العالم، تحول العالم إلى نهب للاحتكارات العالمية ومحط لجشعها وطمعها، وضعف دور الدولة المركزي.

وتحول اقتصاد معظمها إلى الاعتماد على الاقتصاد الريعي على حساب التنمية المتكاملة والمتوازنة والشاملة وتبع ذلك انهيار الطبقات الوسطى واتساع نسبة شرائح الطبقات الفقيرة وخاصة في الأرياف، فازدادت الهجرة إلى المدن وتوسعت الضواحي العشوائية حولها وتراجعت الزراعة والإنتاج الزراعي وتمركزت الثروة بيد فئة قليلة تابعة مباشرة للاحتكارات العالمية وممثلة لها.

إن هذه السياسة التي فرضها النظام الاقتصادي العالمي الجديد تحت مبرر العولمة أدت إلى قيام حكومات وأنظمة سياسية ضعيفة واستبدادية وتابعة وغير قادرة على معالجة مشاكل مجتمعاتها الاقتصادية وهذا ما جعل سياساتها تساهم في تفاقم المشكلة فلم تهتم بالزراعة أو تعالج زيادة التصحر وارتفاع مستوى الاحتباس الحراري.

وتفشي التقاليد الاستهلاكية في مجتمعاتها البائسة، وتحولت هذه المجتمعات إلى مجتمعات استهلاكية رغم دخل أفرادها المتواضع والولوغ في الاستبداد الذي لم يعد يضير استمراره قوى المركز واحتكاراتها مادام يقدم لها الخدمة المطلوبة للهيمنة.

وأدى ذلك إلى تناسي الديمقراطية وزيادة الفساد وضعف الرقابة وتفتت منظمات المجتمع المدني وازدياد الهوة اتساعاً بين الشعوب وسلطاتها الحاكمة وبين الأغنياء والفقراء في المجتمع الواحد، مما أوصل البشرية في النهاية إلى الغلاء الجنوني للأسعار والفوضى في جوانب الاقتصاد العالمي التي تعبر عن نفسها في الخلل الاقتصادي الذي يكاد يوصل البشرية إلى أزمة اقتصادية مشابهة لأزمة عام 1929 التي كانت من الأسباب الرئيسية لصعود النازية في أوروبا وبالتالي اندلاع الحرب العالمية الثانية.

لقد زاد الأمر سوءاً أن بعض الاحتكارات أخذت تستغل ارتفاع أسعار النفط وهي من صنعها لتلقي عليها المسؤولية وهذا شجع على تصنيع الطاقة من الحبوب والمواد الغذائية الأخرى مما زاد ارتفاع أسعار هذه المواد في الوقت الذي امتنعت فيه الاحتكارات الأميركية عن لعب دور إيجابي في المساهمة بتراجع الاحتباس الحراري ومن ثم التصحر (من خلال رفضها التصديق على اتفاقية كيوتو) مما أنقص حجم المنتجات الزراعية وأضرّ بالوفرة الغذائية العالمية.

تعود أسباب المشكلة إذن في أساسها إلى السياسات الاقتصادية المفروضة على العالم، ورغم وجود أسباب محلية عديدة ساهمت فيها إلا أن هذه لا تأخذ حيزاً في الأولويات الأولى المسببة لها وإنما تلعب دوراً متمماً للأسباب الرئيسية.

إن النظام الاقتصادي الجديد والاحتكارات الرأسمالية ومركزية القرار هي المسبب الأول للمشكلة ولا ينبغي إلقاء العبء كله على ظروف طارئة أو على الحكومات المحلية في دول المحيط، ورغم عدم إمكانية تجاهل الدور السلبي لهذه الحكومات لكنه في الواقع نتيجة منطقية وحتمية لسياسات المركز وقراراته التي هي تراكمات حصلت خلال أكثر من عقدين. ومن البديهي توقع نتائج مدمرة لهذه السياسات التي قد تؤدي إلى العنف والحروب الأهلية والفوضى في دول المحيط التي ربما يطال شررها بعض دول المركز.

تقدم دول الاتحاد الأوروبي لمزارعيها مساعدات سنوية تصل إلى (350) مليار دولار، مما حسم المنافسة بين مزارعي البلدان النامية (الذين لا يساعدهم أحد مساعدة كافية) وبين المزارعين في الدول المتقدمة، وجعل مزارعي البلدان النامية يهجرون الزراعة ويسببون نقص المواد الغذائية في بلادهم ويساهمون في تجويع الفقراء الذين يموت منهم طفل كل خمس ثوان.

إن البلدان المتقدمة التي تساعد مزارعيها بمئات مليارات الدولارات سنوياً تبخل على التبرع لبرنامج الغذاء العالمي بمبلغ (750) مليون دولار سنوياً وترفض الكف عن استخراج الوقود الحيوي من المواد الزراعية وإن كانت نسبة الاعتماد على هذه حتى الآن لا تستنفد سوى 3% من إنتاج الأراضي المزروعة فإن المخطط يهدف إلى رفعها إلى 10% بحلول عام 2020 مما يقضي بزيادة نقص المواد الغذائية في البلدان الفقيرة وزيادة أعداد الفقراء والجوعى في هذه البلدان.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org