منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق اتسمت العلاقات الروسية مع القوى الغربية بقدر كبير من الصعوبة. وكان الكثير من القادة الغربيين قد اعتبروا خلال النصف الأول من عقد التسعينات الماضي أن روسيا لم تعد قوة كبيرة وبالتالي يمكنهم فرض إرادتهم عليها.

لكن روسيا استطاعت بعد سنوات الوهن التي عرفتها في ظل حكم يلتسين أن تتغلّب على جراحها لتعود بسرعة من جديد إلى مصاف دولة ذات أهمية كبيرة جداً. وذلك عبر الاعتماد على ثرواتها الجوفية وسيطرتها على التكنولوجيات المتقدمة، النووية والفضائية؛والعمق الاستراتيجي الذي تتمتع به بسبب اتساع رقعة مساحتها.

هذه المعطيات كلها تمثل أوراقا رابحة تسمح لهذه البلاد أن تصبح من جديد قوّة من الصف الأول في العلاقات الدولية. ضمن هذا السياق تبدي موسكو قلقها من خطر أن يؤدي توسيع إطار الحلف الأطلسي إلى حصارها بتحالف سياسي ـ عسكري معاد لها.

لذلك لا يقبل القادة الروس انضمام أوكرانيا وجورجيا ذات يوم إلى هذا الحلف. ولم تؤد القمة الأخيرة للحلف الأطلسي في بوخارست إلى تعديل هذا التصوّر. في الواقع، حتى لو أن الأوكرانيين والجورجيين لم يتلقوا الضوء الأخضر للانضمام في الأفق المنظور إلى الحلف فقد جرت طمأنتهم بحزم على أنهم سوف ينضمون بعد حين إلى الكتلة الأوروبية ـ الأطلسية.

وقد كان فلاديمير بوتين واضحاً جداً عندما شرح لمسؤولي الحلف الأطلسي أنه إذا انضمت أوكرانيا ذات يوم إلى منظمتهم فإنها قد تخاطر آنذاك بان لا تبقى على ما هي عليه الآن. وإنه من الصحيح القول أن أوكرانيا منقسمة ثقافيا أصلا منذ فترة طويلة إلى قسمين .

القسم الأول غربي وتتطلع نظراته ومشاريعه نحو الغرب، أي نحو الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. والقسم الثاني شرقي ويتطلع بالعكس باتجاه روسيا ولا يريد أبدا القطيعة مع موسكو. لكن تهديد بوتين كان يستهدف خاصة منطقة شبه الجزيرة القرم التي يتحدث أهلها اللغة الروسية والواقعة في جنوب أوكرانيا وتكنّ الكثير من النفور حيال الحلف الأطلسي.

وهي تشكل جزءا من أوكرانيا منذ عام 1954 فقط وبالتالي يمكن افتراض أنها إذا وجدت نفسها أمام خيار سوف تختار سريعا البقاء في دائرة النفوذ الروسي. أضف إلى ذلك أن الأسطول الروسي في البحر الأسود متواجد في سيفاستوبول بالقرم وسيكون عليه أن يغادرها نظريا في عام 2017 حسب اتفاق جرى توقيعه سابقا.

وهناك خشية رؤية قوات تابعة للحلف الأطلسي في مواقع يتمركز فيها حاليا عسكريون روس . مثل هذا الوضع سوف يبدو كعملية إذلال حقيقي. أمّا بالنسبة لجورجيا فالأمر لا يتعلق بفرضية إمكانية تفككها تحت الضغط الروسي، ذلك أنه قد جرى واقعيا اقتطاع جزء منها منذ أن قررت أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية القطيعة معها منذ أن أعلنت استقلالها عام 1991.

ولم يتردد الروس منذئذ في تقديم المساعدات المالية والعسكرية للأبخازيين والأوسيتيين. ومن الواضح أن مثل هذا التوجّه السياسي الذي انتهجته روسيا يشكل ضمانا بالنسبة لها ووسيلة ضغط يمكنها استخدامها عند الضرورة في مواجهة توسيع إطار الحلف الأطلسي حتى تخومها.

وعلينا أن نفهم أن الكرملين يجد أنه لديه الحق في تشجيع استقلال هذه المناطق حيث أن الغربيين لم يترددوا في تشجيع ودعم استقلال كوسوفو دون أي اهتمام بالقانون الدولي. فإذا كان الغربيون قد أيّدوا من جانب واحد تغيير حدود صربيا، فلماذا لا يحق للروس أن يفعلوا الشيء نفسه بالنسبة للحدود الأوكرانية والجورجية ؟.

وينبغي إدراك أن للأوسيتيين والأبخازيين هوية اتنية ووطنية متجذّرة بقدر هوية الكوسوفيين. هنا يبرز حقيقة الشعور أن منطقا محددا قد انطلق في المجال الجغرافي الأوروبي وأنه لا يمكن بالتالي استبعاد نشوب نزاعات جديدة.

وهي نزاعات سيكون المنخرطون فيها مدعومين رسميا، إلى هذه الدرجة أو تلك، من قبل الحلف الأطلسي لطرف ومن قبل روسيا للطرف الآخر. لا بد إذن من العودة إلى التعقّل. ولم يعد باستطاعة الغربيين أن يتابعوا تصريحاتهم المرائية القائلة أن الحرب الباردة قد انتهت ولم يعد لدى الروس ما يخشونه من توسيع الحلف الأطلسي.

كاتب فرنسي

mohaklouf@yahoo. fr