كثيرون منا لا يعرفون كيف يعيشون حياتهم بالشكل الذي يجعلهم يشعرون بالرضا، لأنهم لا يعرفون كيفية مدّ أسباب التواصل بينهم وبين الحب. لا أقصد الحب بمعناه العاطفي الصِّرف، إنما أقصد الحب بمعناه الشمولي الواسع، الذي يعني أن تحمل مشاعر إيجابية نحو كل ما حولك،.
وكل من حولك، إذ تتحول هذه المشاعر إلى طاقة تدفعك دفعا نحو العمل، وتمدّك بالرغبة في أداء كل ما من شأنه أن يخدم الآخرين (الأسرة، الأصدقاء، الزملاء، المجتمع، الوطن..) كي تترجم هذا الحب، الذي تشعر به إحساسا داخليا، من خلال سلوك وفعل خارجيين، يبدو أثرهما ماديا ملموسا لك ولغيرك. لهذا يمكننا أن نتساءل: هل يمكن أن تصبح الحياة ذات معنى إذا غاب الإحساس بالحب عنها؟
وسأستعين بباولو كويلو ليجيب عن هذا السؤال، إذ يقول في أحد نصوصه: ارو طريقك بالحب؛ لأنه من دون ذلك، يغدو كل شيء بلا معنى.
لكن الحب ليس دائما إحساسا إيجابيا؛ فحب المال، وحب الشهرة، وحب الذات، وحب الملذات، وغير هذه من الأمور هي أيضا اتجاهات قد تتجه إليها سهام الحب، فهل كل حب محمود، وهل كل مشاعر حب يمكن أن تكون نافعة ومثمرة للفرد والمجتمع؟
ومن إجابة النفي الكبيرة التي ستفرض نفسها على سؤال كهذا سنتذكر أن للحب أساسا جانبان، أحدهما إيجابي، والآخر سلبي، ثم إن جانبه الإيجابي بعد ذلك له حدّان، يقف أحدهما عند حافة خط الاعتدال، بينما يتجاوز الحدُّ الآخر هذا الخطَّ، ليصبح أيضًا مستوى مرفوضًا من مستويات الحب.
وهنا سيطرأ سؤال آخر أيضًا، ونحن نتكلم على جانب إيجابي وآخر سلبي للحب بوصفه مظهرًا من مظاهر المشاعر الإنسانية، بل هو أساس هذه المشاعر، وهو محرك معظمها في النفس: من الذي يملك الحق في أن يحكم على إيجابية أمر ما أو سلبيته، خصوصًا أن المشاعر والتوجهات نسبية لا تخضع لقوانين أو لوائح.
أترك إجابة هذا السؤال مفتوحة، مع الإشارة إلى وجود بعض الآراء التي لا تقبل بهذا الحكم العام، وهي آراء يجب أن نضعها في أذهاننا حتى إن تعارضت مع ما نراه، إلا أن ما يمكن أن تتفق عليه الأغلبية هو أن الاعتدال سيد كل الأفكار، والمشاعر، والتوجهات، والسلوكيات، لأن حب الذات والمال والشهرة وغير ذلك مستقرّ في نفوس البشر على نحو فطري، ولا يمكن أن يُعاب إنسان على حبه شيئا من هذه الأشياء، إن لزم حدود المعقول -الذي يكون متوافقا وعرف المجتمع- أما إن تجاوز هذا العرف، أي تجاوز حدود المعقول، فإنه يصبح موضع استنكار الجماعة المحيطة به.
قد يتحول حب الذات إلى أنانية مفرطة، تدفع الإنسان إلى أن يرى العالم بمنظوره الشخصي، وأن يحسب كل شيء انطلاقا من نفسه، فيصبح هو ميزان كل شيء وأي شيء، وبناء على ما يتفق ومصالحه تتحدد أمور قد تتعلق بها مصائر أشخاص آخرين لا يعنيه أمرهم بقدر ما يعنيه ألا يفوته شيء بإمكانه أن يستفيد منه.
كما أن حب الذات بشكل مفرط قد يوجد مبررات للشخص بأن يؤذي الآخرين، من منطلق أنه يدافع عن نفسه التي يشعر دائما أنها في موضع خطر. الإفراط في حب المال قد يكون سببا في سيادة روح الغاية تبرر الوسيلة، بحيث يسمح الشخص لنفسه بأن يحصل على أي مال بأية طريقة، دون وازع أو رقيب من الداخل أو الخارج.
الإفراط في الحب بمعناه الإيجابي أيضا يصبح موضع استنكار الأفراد والمجتمعات، لأن كل شيء جاوز الحد انقلب إلى الضد، وهذا الأمر ينطبق أيضا على مشاعر الحب التي قد تصبح هوسا أو مرضا نفسيا يؤذي صاحبه ويؤذي من حوله إن لم تتم السيطرة عليها بالشكل المطلوب.
الأمثلة كثيرة على ما يمكن أن يتحول إليه «الحب» -الذي يبدو في جوهره إحساسا إيجابيا يرتقي بالفرد والمجتمع- لكن أعتقد أن ما ذُكر يغني عما لم يُذكر. وأعود لأؤكد مرة أخرى أن الأصل هو أن يحرك الحبُ العالمَ حركة تقدمية نحو الأمام.
ولو فكرنا في كل ما حولنا سنجد أنه لولا الحب لما كان العالم أنجز أي شيء على أي صعيد، بدءا من محيط الأسرة -على سبيل المثال- حين يكون الوالدان مستعدين للتضحية بوقتهما وبصحتهما وبحياتهما أحيانا من أجل أبنائهما، لأن الحب هو الذي يجعلهما يتجاهلان المصاعب التي يجدانها في سبيل توفير الحياة الكريمة لأبنائهما.
وانتهاء بالحكام وولاة الأمر الذين يسهرون على خدمة شعوبهم للنهوض بها. مرورًا بالكثير من التفاصيل الأخرى التي تأخذ مكانها بين هذين الطرفين في أي مجتمع.
لا شك أن هذه القاعدة ليست عامة، وأنه يوجد الكثير من الأهالي ومن الحكام الذين لا يعرفون معنى الحب بمفهومه الإنساني العام، -الذي يعني أن تحب الآخرين كما تحب نفسك، وأن تتمنى للآخرين ما تتمناه لنفسك-، وتكون دوافعهم لأداء الدور المطلوب منهم شخصية، أو أنهم لا يقومون بالدور المطلوب منهم، ولا يراعون إلا مصالحهم الشخصية، لكن وجود مثل هؤلاء لا يعني أن هذا هو الأصل، حتى إن طغى عددهم على غيرهم.
ويبدو أن هذا بالضبط هو ما نعاني منه في كثير من المواضع التي تئن فيها أجساد مجتمعاتنا، إذ أصبحنا نسمع كثيرا عن سلوكيات لم تكن ظاهرة من قبل أو منتشرة بيننا، أرى أن من أهم أسبابها غياب مفهوم الحب بمعناه الإنساني عن وعينا، وسيطرة الروح الأنوية والذاتية على سلوكيات كثيرين منا، مما يجعل كل شيء يُحسب بحسابات المصالح الذاتية، وليس الجماعية.
ويهمني أن أؤكد فقط أن الحب لا يمكن أن يوجد منفصلا عن غيره من المشاعر، سلبا وإيجابا؛ فهو في السلب مرتبط بالأنانية، والغيرة، والحسد، والحقد، وغيرها، وفي الإيجاب مرتبط بالتسامح، والعطاء، والرحمة.
وأيضًا الإخلاص الذي يبدو لي أنه أهم المفاهيم التي يرتبط بها الحب، لذلك ربما يقول شوبنهاور: حب بلا إخلاص.. بناء بلا أساس، لأن الإخلاص في الحب يدفع الإنسان نحو التسامح والعطاء بلا ثمن، وبلا انتظار مقابل.. وهذا ما سيؤدي إلى إنشاء بناء العلاقات الإنسانية على أساس قوي.