بصرف النظر عن أزمة البرنامج النووي الإيراني، وتطوراته الأخيرة، يبدو أن الساحة الدولية يمكن أن تشهد أزمة جديدة في نفس السياق، ولكن الغرب سيفجر الأزمة هذه المرة ضد بيلاروسيا.
فقد دعت بيلاروسيا ثلاث شركات أجنبية ـ «اتوم ستروي اكسبورت» الروسية و«اريفا» الفرنسية و«ويستنجهاوس ـ توشيبا» الأميركية اليابانية - للمشاركة في مناقصة عالمية للفوز بعقد بناء محطة نووية لتوليد الكهرباء تصل قيمته إلى 4 مليارات دولار. وتخطط السلطات البيلاروسية لتشييد هذه المحطة منذ سنوات بهدف توفير أكثر من 25% من احتياجاتها للكهرباء.
وكما هو معروف أن بيلاروسيا لا تملك موارد مالية كافية لإنشاء المحطة الكهروذرية، لهذا ستلجأ حكومة مينسك إلى الاقتراض، ما يعني أن المرشح الأقوى للفوز بهذه المناقصة هو الشركة الروسية، ليس فقط بسبب قدرتها ورغبتها في توفير القرض خاصة بعد أن توصلت موسكو ومينسك لاتفاق حول إعادة جدولة ديون، وإنما أيضاً بسبب رخص أسعارها مقارنة مع الشركات الغربية.
ولكن علاقات بيلاروسيا مع الغرب وتحديدا مع الولايات المتحدة، إضافة للصراع الحاد في سوق الطاقة النووية العالمي ومساعي واشنطن لإزاحة الشركات الروسية من السوق الإيرانية تدفع العديد من الباحثين للاعتقاد بأن توقيع هذا العقد مع بيلاروسيا لابد وأن يثير صراعا حادا مع روسيا، وستُبذل مساع غربية مكثفة لإيقاف مشروع مينسك الخاص ببناء هذه المحطة.
ويصعب أن يكون أي حديث عن مخاطر امتلاك بيلاروسيا لسلاح نووي سببا لحملات الغرب، كما هو الحال بالنسبة لإيران. حيث تعلم واشنطن والعواصم الأوروبية أن روسيا ليست أقل حرصا منهم على منع انتشار السلاح النووي، كما أنها لا ترغب في رؤية صواريخ استراتيجية نووية بالقرب من حدودها.
لذا المشكلة ليست في حماية البشرية والمجتمع الدولي من مخاطر انتشار السلاح النووي وإنما المشكلة في أن الشركات الأميركية تخسر أسواقا لتسويق منتجاتها من تقنيات إنتاج الطاقة النووية. ولعل اللافت أن كافة المواقع التي شيدت فيها الشركات الروسية محطات نووي لتوليد الطاقة الكهربائية (بلغاريا، وغيرها.) لا تمتلك سلاحا نوويا، بينما تمتلك الصواريخ النووية الاستراتيجية كافة البلدان التي اعتمدت على الشركات الأميركية في بناء مفاعلاتها النووية، مثل (الهند، باكستان، إسرائيل،...الخ).
ألا تستحق هذه المقارنة وقفة تأمل، ومحاولة جادة عن الجهة التي تتسبب في نشر الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل؟؟!! ولابد من القول إن افتعال الصراعات لإزاحة روسيا من أسواق تقنيات الطاقة النووية العالمية، يعود ليس لرخص أسعار المنتج الروسي فقط، وإنما أيضاً لتفوقه العلمي والتقني على المنتجات الأميركية والأوروبية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر كانت تكنولوجيا إنتاج أجهزة الطرد المركزي الغازية قبل فترة وجيزة سرا من أسرار الدولة الروسية، وتم مؤخرا رفع ستار السرية عن بعض نماذجها والترخيص بتصديرها. وسوف تحصل الصين على أجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس. أما روسيا فتستخدم في مصانع تخصيب اليورانيوم الوطنية أجهزة من الجيل الثامن وتعمل على تصميم الجديد منها.
وجدير بالذكر أن دول الغرب مازالت عاجزة عن التوصل لهذه التقنيات المتطورة، ولا تزال تنتشر فيها استخدام تكنولوجيات انتشار غازي لتخصيب اليورانيوم التي تستهلك كميات أكبر بكثير من الطاقة.
منذ بضع سنوات تحاول الولايات المتحدة تنفيذ مشروع «جهاز الطرد المركزي الأميركي» ولكنها لم تحصل بعد على أي نتائج تذكر. كما لم يتمكن العملاق الفرنسي «ءزضء» هو أيضاً من استيعاب تكنولوجيا إنتاج أجهزة الطرد المركزي. في حين يتطور مشروع «جهاز الطرد المركزي الروسي» بنجاح وهو يحتل قطاعات جديدة وجديدة من السوق العالمية بما في ذلك على المسار الصيني.
ويبدو أن المنافسة في السوق الرأسمالي وفق مبادئ الاقتصاد الحر لم تعد تتمتع بأي قدر من الحرية، وإنما تعتمد بشكل كامل على القوة العسكرية لردع من تسول له نفسه منافسة الشركات الأميركية والغربية، وسيتم حصار من يتعامل مع شركات أخرى، بل وتوجيه ضربة عسكرية له إذا اقتضى الأمر.
مركز دراسات الطاقة الروسي