العاملون في المجال التطوعي هم أكثر الناس حاجة إلى المراعاة والاحتضان أيضا، وصد مقترحاتهم ووضع عراقيل أمام عملهم أو قمع أفكارهم وتجاهلها يسبب لهم صدمة، يكون تأثيرها ابلغ من الصدمة ذاتها لو أصابت إنساناً عادياً، أو بعيداً عن المجال. لماذا؟

بالتأكيد الذي يذهب ليتطوع في جمعية ذات نفع عام أو يتطوع في مشروع ما إنما يذهب رغبة منه في العطاء والعمل، لا ينتظر ربحاً ولا مقابلاً لأتعابه، بل هو هكذا يبذل جهده من اجل الصالح العام، وإذا انتظر فانه فقط ينتظر الصدى الطيب أو الأثر الجيد للعمل التطوعي الذي قام به..وأغلب الذين يكدحون في هذا الإطار إنما هم يتقربون من الوطن ويرجونه أن يقترب منهم.

واحد من هؤلاء مغرم بالفنون والتراث الشعبي ومتحمس كثيرا للعطاء التطوعي، سبق له وان نظم وشارك في مهرجانات وورش تراثية كثيرة وكبيرة، وهو يعتز كثيرا بعمله هذا ويعتبره إسهاما في المحافظة على كنوز الوطن.. من الوطن ينطلق بأحلامه وللوطن يعود بها، يتحدث بحرارة وحرقة عن البيوت الطينية التي تندثر وتتلاشى في مناطق عديدة بالساحل الشرقي، يتحدث كثيراً عن إمكانية إعادة أعمارها، وتأهيلها ووضعها في خدمة السياحة الوطنية..

يقول: حرام أن نترك هذه البيوت وهذه الأحياء ومزارع النخل هذه للجفاف والموت..كثير من الناس تركوا وهجروا هذه الأماكن بعد أن وفرت لهم الحكومة ومشاريع الإسكان بيوتا جديدة، لكن مزارعهم القديمة والأحياء السكنية التي تعكس مشهدا من الماضي الذي نحبه ونعتز به تركت لعوامل التعرية تنهشها..ويتساءل صاحبنا المتحمس للتراث، لماذا لا تشتري الحكومة هذه الأماكن من أصحابها، وتحولها إلى مقاصد سياحية؟ يتعرف فيها السياح على بيئتنا القديمة وأسلوب حياتنا، وما كان يمارسه الإنسان من اجل العيش والبقاء؟.

ويشتكي أيضا.. تقدمت هذا العام بفكرة إقامة قرية تراثية يتعلم من خلالها الأولاد والبنات شيئاً من عاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، ويبقون على الاتصال بماضيهم وكنوزه..الاقتراح ما زال يمر بصعوبات، بالرغم من أنني وضعت له خطة ودراسة متكاملة.. فالإشكال انه لزام علي الانتظار حتى تطّلع لجنة في البلدية على المشروع وجدواه.. وما زال علي الانتظار حتى يفك المجلس البلدي أسر الفكرة لكي ترى النور..

لماذا هذه البهدلة والعرقلة؟ يقول: لا اعرف.. المشكلة أن البعض لا يحترق على مثل هذه الكنوز وضرورة الترتيب لها وإعدادها.. فمشروعي التطوعي لا يمكن أن يبقى عالقا في أذهان أعضاء لجنة البلدية، ولا أعضاء المجلس البلدي، فهم لا يفهمون سبب إصراري على ربط حياة الناس بأجواء التراث على الدوام.

مثل صاحبنا هذا المتحمس كثيرون تتكسر مجاديفهم عند أول عضو من أعضاء لجنة، أو إدارة. والأشنع من ذلك أننا لم نطبق حتى الآن سياسة الاعتذار السليم المعافى من كل شيء..فالإمكان ان نعتذر عن أي فكرة أو مشروع لكن بالأسلوب الذي يحفظ للطرف الآخر جذوة الإبداع والانطلاق والحياة..مثل هؤلاء هم في الأصل متطوعون من السهل إذا لم يعجبهم الحال ان يخلوا المكان ويتخلصوا من اهتماماتهم النفعية العامة، ويذهب كل منهم إلى حال سبيله، فلماذا نخسر مثل هؤلاء؟

mhalyan@albayan.ae