رغم انهيار المعسكر الاشتراكي الشيوعي وتحول جميع دوله إلى نظام اقتصاد السوق، ورغم انهيار الأفكار والمبادئ الشيوعية وزوال الخوف من المد الشيوعي تماما، ورغم انفتاح روسيا والصين على العالم كله، إلا أن الغرب وواشنطن وبعض الدول الأخرى لم تتخلص بعد من رواسب هذه الحرب الباردة التي دامت أكثر من نصف قرن، بل إن بعض المحللين يرون أن أخطر ما خلفته الحرب الباردة هو ثقافتها التي على ما يبدو أنها تحولت إلى عقيدة أو أيديولوجية أخرى يؤمن بها الكثيرون ويروج لها الكثيرون، وخاصة في أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة.
واشنطن لا تطيق أن يكون لروسيا أي نفوذ اقتصادي في العالم، وتحاول أن تروج لفكرة الهيمنة والنفوذ السياسي الروسي وتربطها بالاقتصاد والتجارة، والأوروبيون الذين أصبحوا في أمس الحاجة لروسيا لتوفر لهم مصادر الطاقة اللازمة لهم أصبحوا يعانون بين مطرقة الضغوط الأميركية وسندان رواسب وثقافة الحرب الباردة، فرغم كل الوعود التي تعطيها روسيا لهم ورغم تعاملها معهم وفق مبادئ السوق إلا أنهم تحت ضغوط واشنطن ورواسب ثقافة الحرب الباردة ما زالوا يتخوفون وأحيانا يصدقون أن لدى روسيا طموحات إمبراطورية توسعية تسعى لتحقيقها.
روسيا تشكل جزءا كبيرا لا يتجزأ من أوروبا وتشغل مساحة كبيرة من شرق أوروبا، ولكن مازال الكثيرون يتعاملون معها على أنها مصدر تهديد لأوروبا، ولا يريدون أن يشركوها معهم في المنظومة الأمنية الأوروبية، على الرغم من أن مؤسسي أوروبا الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية كانوا على إيمان بأنه لا أمن لأوروبا بدون روسيا.
وقد قالها الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديجول في الستينات في عز اشتعال الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، حين قال انه لا يتصور أي أمن في أوروبا بمعزل عن مشاركة روسيا، وكانت أراء ديجول في هذا الشأن تغضب واشنطن التي قررت التعامل مع روسيا كعدو سواء كانت ضمن الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشيوعية أو بدونها.
الدول الأوروبية الصغيرة الخارجة من عباءة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي هي الآن التي تروج للعداء مع روسيا، مثل بولندا وتشيكيا ودول البلطيق (أستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، وهذه الدول تهرول في ركاب السياسة الأميركية لأهداف خاصة لدى الأنظمة الحاكمة فيها المدعومة من واشنطن، بينما الدول الأوروبية الكبيرة مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها تسعى للتعاون مع روسيا وتريد أن تعتمد عليها في مسائل أمن الطاقة.
وأيضا في الأمن العسكري، ولدى هذه الدول الكبيرة ثقة كاملة في روسيا، ولكن الضغوط الأميركية مستمرة في العديد من المجالات، ويمكن تبرير خوف واشنطن وقلقها من روسيا من جانب واحد، وهو خوفها على نفوذها في أوروبا، هذا النفوذ الذي أنفقت من أجله الولايات المتحدة الكثير والكثير بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن التواصل الجغرافي الروسي - الأوروبي يولد لدى الأميركيين الشعور بالغربة عن أوروبا لأنهم بعيدون عنها عبر الأطلسي بينما روسيا ملاصقة لهم، وبالتالي فإن فرص روسيا أكثر للتقرب من الأوروبيين، وقد يكون هذا التقارب على حساب الوجود والمصالح الأميركية حسب وجهة نظر المخططين للسياسة والإستراتيجية الخارجية في واشنطن الذين ينظرون لبقية العالم كله على أنه خادم لمصالحهم يأخذون منه دون أن يعطوه شيئا.
روسيا دولة كبيرة تملك الكثير من الثروات والإمكانيات، ومثلها مثل الولايات المتحدة لها العديد من المصالح مع العديد من دول العالم، لكنها تتعامل بسياسة مختلفة تماما عن سياسة واشنطن، فهي تؤمن بالمصالح المشتركة وبسيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتتعامل بمنطق المنفعة المتبادلة ولا تسعى للهيمنة والنفوذ على الآخرين، ولهذا فهي تشكل إزعاجا كبيرا لواشنطن يجعلها تستمر في التعامل معها بفكر وثقافة الحرب الباردة.
كاتب ومحلل سياسي روسي