حتى هذه اللحظة لم يتضح الموقف الأميركي الحقيقي من المفاوضات السورية الإسرائيلية التي تجري بصورة غير مباشرة وبرعاية من تركيا. فقد يبدو داخل تفاصيل الوساطة التي تقوم بها تركيا بين سوريا وإسرائيل أن الولايات المتحدة الأميركية لا تبدي حماساً كبيراً لها، بما يدفع البعض للقول ان هناك فيتو أميركيا عليها.
ذلك أن الولايات المتحدة لم تبد حماساً لهذه الوساطة بما بدا منه أن تركيا اتخذت خطوتها من دون استشارة الولايات المتحدة، وهناك من رأى أن الولايات المتحدة تخشى أن يفلت منها دور من بيده 99% من أوراق اللعبة وهي المقولة السائدة لدى عدد من الدوائر العربية الرسمية.
والواقع أن الولايات المتحدة قد تكون لها تحفظات على إحياء المسار السوري الإسرائيلي لكنها لايمكن أن يكون موقفها هو الرفض التام لهذة الخطوة لأنها لو كانت ترفضها لما أقدمت عليها اي من تركيا ولا إسرائيل.
وبعيدا عن أن لكل من الأطراف التي دخلت في المفاوضات أو التي قامت بالوساطة أسبابه وأهدافه التي تتعلق بدوره الإقليمي أو بعلاقاته الخارجية أو حتى بتطوراته الداخلية، فإن نجاح تركيا في مهمتها يتطلب أن تنفذ سوريا عددا من المطالب نعتقد أنها نفذت بعضا منها من قبل كشرط لبدء المفاوضات.
وهذا الأمر يحل للولايات المتحدة الأميركية مشكلات تشهدها منطقة الشرق الأوسط حاليا وعلى رأسها إقناع سوريا حلفاءها اللبنانيين بالتهدئة وهو الأمر الذي حدث بالفعل، وتخفيف قبضة إيران في الشأن العراقي وذلك يمكن أن يتحقق إذا ما لعبت سوريا دورا في الشأن العراقي لأن أحد الاتهامات الموجهة الى سوريا هو أنها تقوم بدور مضاد للمصالح الأميركية في العراق بما يسهل الدور الإيراني في أحداث العراق.
وبالتالي فإن كل ما يمكن أن يحدث من جراء نجاح الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل هو تحقيق المصالح الأميركية في المنطقة وتنفيذ خطط واستراتيجيات أميركية بها أو على الأقل أن تمر الشهور القليلة المتبقية من ولاية الرئيس بوش من دون أزمات كبيرة في المنطقة تؤثر عليها وتقلل من فرص المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.
من هنا لايمكن القول ان هناك فيتو أميركيا على إحياء المسار السوري الإسرائيلي. وإنما يمكن أن يكون الموقف الأميركي هو التحفظ انتظارا لتطورات المفاوضات.
والموقف الأميركي المتحفظ يمكن أن نرجعه الى عدد من الأسباب أولها هو التوقيت فالحاصل أن الرئيس الأميركي بوش سبق ووعد أكثر من مرة بأن إقامة الدولة الفلسطينية سوف يتحقق خلال ولايته الرئاسية التي لم يتبق منها سوى أشهر معدودة، من هنا فإن الإدارة الجمهورية الحالية لا تريد أن تستند إسرائيل الى إحياء مسار مفاوضاتها مع سوريا لكي تتهرب من تحقيق اى تقدم في مفاوضاتها مع الفلسطينيين وهو المسار المنوط به تحقيق التقدم في طريق تأسيس الدولة الفلسطينية التي وعد بها الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس.
أما ثاني أسباب التحفظ الأميركي فهو أن الولايات المتحدة لا تريد مكافأة سوريا على اى خطوة من دون أن تحقق المصالح الأميركية منها تماما، فالولايات المتحدة تريد أن تفك سوريا تحالفها مع إيران، وان تكون مواقفها في العراق ليست على حساب التواجد الأميركي بها، بل وان تتخلى سوريا عن دعم حزب الله اللبناني، وبالتالي يصبح إحياء المسار السوري الإسرائيلي هو مكافأة سوريا على كل هذة الخطوات.
من هنا نستطيع أن نفهم التحفظ الأميركي على إحياء هذا المسار ونستطيع أن نتكهن بأن هذه التحفظات وقتية لأنه يمكن حلها بخطوات متدرجة من سوريا وخطوات متبادلة من الجانب الأميركي، ولكن الأمر الآخر الذي لا يمكن للولايات المتحدة أن تجد حلا له هو ما يتعلق بعامل التوقيت، ذلك أن حل هذة المعضلة يتطلب منها إقناع إسرائيل بأن تسير في المسارين السوري والفلسطيني بالتوازي ولكن هذا الأمر ستكون له تكاليفه على الحكومة الإسرائيلية.
ولا نعتقد أنها تستطيع دفعها في الوقت الراهن. انتظاراً لتنفيذ سوريا مطالب أميركية محددة. بعدها يمكن أن تتحمس الولايات المتحدة للمفوضات وتبدأ في تأييدها علنا، لأن نجاحها في هذه الحالة يمكن أن ينقذ السياسة الشرق أوسطية لإدارة الرئيس بوش بل وتعوضه عن عدم تنفيذ وعده بإنشاء الدولة الفلسطينية.
إن منطقة الشرق الأوسط تعيش في الوقت الراهن حالة من السيولة بسبب تطورات عديدة تشهدها في الوقت الراهن تجلت ملامحها في التطورات اللبنانية الأخيرة وفي المفاوضات بين سوريا وإسرائيل وتطورات عراقية عديدة وعدم وضوح الرؤية حول سياسة الولايات المتحدة إزاء إيران، وبالتالي فإن الولايات المتحدة لا تريد أن تتورط في أي من هذه القضايا لكنها لن تتجاهل تلك التي يمكن لها الاستفادة منها وعلى رأسها بالطبع هذه المفاوضات إذا ما حققت نجاحا يحسب للإدارة الحالية ويستفيد منها المرشح الجمهوري.
كاتب مصري
