هل انقضت حقاً أربعون عاماً على تلك الثورة، بينما أشعر بأنه لم يمض عليها إلا شهور قليلة.

الثورة التي أقصدها هي ثورة الطلاب في فرنسا في مايو 1968، أما منذ أربعين عاماً بالضبط فكانت ثورة فريدة من نوعها وذات مطالب لم يسمع بها الناس من قبل. الثورة يقوم بها عادة الجياع أو المحرمون، وهذه الثورة يقوم بها الطلاب المترفون، الثوار ينادون عادة بتحسين الأحوال المادية أو انهاء التفاوت الصارخ في الثروة، ولكن هذه الثورة تشكو من الرفاهية وتدعو إلى تحسين الأحوال المعيشية.

كانت ثورة غريبة حقا، والمدهش أيضاً أنها انتشرت من مكان إلى مكان. بدأت في فرنسا ثم انتقلت إلى بقية دول أوروبا الغربية، ثم إلى الولايات المتحدة. فكيف يمكن تفسير قيامها في 1968، ثم انتهائها وعدم حدوث مثيل لها طوال الأربعين عاماً الماضية؟

ـ لقد قامت ثورة 1968 في أعقاب ما يقرب من ربع قرن من النمو الاقتصادي السريع في العالم الغربي، وتحقيق العدالة الكاملة، فانخفضت معدلات البطالة إلى حدها الأدنى، مما جعل العمال يحصلون على ارتفاع كبير في الأجور، واقترنت هذه الفترة أيضاً بقيام ما عرف باسم دولة الرفاهية في الغرب (Welfare State) التي وفرت الخدمات الأساسية للجميع كالتعليم والطب مجانا أو مقابل أسعار زهيدة قد يقال: كيف لهذه الأمور أن تؤدي إلى الثورة؟

والرد على هذا أن الرفاهية التي تحققت بعد ربع قرن من انتهاء الحرب خلقت تساؤلات جديدة عن الشباب: هل هذه الرفاهية الاقتصادية هي الهدف الحقيقي من الحياة؟ هل هذا هو معنى التقدم والحضارة: مزيد من الاستهلاك؟ كان لدى هذا الجيل من الشباب القدر الكافي من الفراغ الذي يسمح بإثارة هذه الأسئلة (فهي فعلاً أسئلة لا تثور الا في رأس شخص مرفه) وليس هذا فحسب بل كان هذا الجيل أيضاً مطمئنا اطمئنانا كافياً على مستقبله: الوظيفة أو فرص العمل مضمونة (ألا ترى الجميع في حالة عمالة كاملة والبطالة شبه معروفة؟).

والسلع والخدمات الأساسية متوفرة وفي متناول اليد، ومعدل التضخم معقول جدا ولا يدعو للكفاح من أجل تحقيق مزيد من الادخار لمواجهة أسعار أعلى بكثير في المستقبل، والأهل كذلك في حالة ميسورة بما حققوه من ارتفاع في الدخل والثروة خلال العقدين الماضيين، ولديهم ما يكفي لمواجهة أي صعاب اقتصادية قد تواجه أولادهم وبناتهم في المستقبل. ما الذي يمنع إذن من التفكير في أشياء أخرى غير المزيد من السلع، كتحسين العلاقات الاجتماعية مثلاً؟ أو تحسين المقررات التي تدرس في المدارس والجامعات؟ أو الاشغال بقضايا العالم الثالث الفقير؟ او بإنهاء الحرب في فيتنام؟.... الخ.

هذا هو ما حدث في مايو 1968 وفي الشهور التالية له في العالم الغربي كله، حيث أقام الطلبة المتاريس، واصطدموا برجال الشرطة، وأجبروا الجامعات على إغلاق أبوابها، وألقوا الطماطم على وجوه المسؤولين عن التعليم، ورفعوا شعارات الاحتجاج على مجتمع لا يهتم إلا بالاستهلاك. فما الذي حدث بعد سنوات قليلة جداً ليضع حداً لهذا كله؟ فيهدأ الجميع، ويعود الانضباط، وينشغل الشباب والكبار بمشاغل الحياة اليومية، كما كانوا قبل 1968، وتبدو «المؤسسة» أي المهيمنون على شؤون السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام.

وكأنها قد أمسكت من جديد بزمام الأمور، فلم يعد أحد يرفع صوته بالاحتجاج على الاتجاهات السائدة في كل هذه الميادين أو على الأقل لا أحد يعكر صفو القبول العام لما تحدده المؤسسة في هذه الأمور جميعاً: سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو إعلامية؟

في سنة 1993 كان قد مر ربع قرن على ثورة 1968، وكنت في لندن فشاهدت على شاشة التلفزيون البريطاني برنامجاً عن هذه الثورة، وقد خطر لمعدي البرنامج أن يبحثوا عن قادة هذه الثورة الذين كانوا في 1968 شباباً لم يتجاوز أكثرهم الخامسة والعشرين من العمر، فأصبحوا الآن «أي في 1993» في الخمسين، وأن يسألوهم عما يفكرون فيه الآن، وما الذي فعله الزمن بهم وبأفكارهم.

كانت مفاجأة كبرى لي أن أجد هؤلاء الشباب الذين كانوا يفيضون حماساً وحيوية في 1968، وقد أبيض شعر رؤوسهم، وتضخمت أجسامهم، بل وبدت لبعضهم كروش ليس من السهل إخفاؤها. كان من الواضح من هيئتهم ومن كلامهم أنهم قد اندمجوا اندماجاً تاماً في المجتمع الاستهلاكي، وحققوا من الدخل والثروة ما سمح بتضخم أجسامهم من ناحية، وتضاؤل حماسهم من ناحية أخرى، لقد بدا واضحاً من كلامهم أنهم قد أصبحوا على وفاق تام مع «المؤسسة» ولم تعد لديهم اعتراضات جوهرية على ما يجري، وبالتأكيد لم يعودوا يرون أي داع للقيام بثورة من أي نوع. فماذا حدث في العالم ليجلب هذا الانتصار الباهر لأنصار ««إبقاء كل شيء على ما هو عليه».

لقد دخل العالم الغربي ابتداء من أواخر الستينات وأوائل السبعينات مرحلة جديدة تماماً من التطور الاقتصادي ومن ثم السياسي والاجتماعي أيضاً، بدأ معدل النمو الاقتصادي في الانحدار، وبدأت حالة العمالة في التدهور.

والبطالة في الزيادة واقترن هذا وذاك بارتفاع شديد وغير مهدد في معدل التضخم، مما خلق ظاهرة تجمع بين التضخم والركود الاقتصادي، أطلق عليها اسم يجمع بين جزء من كلا الكلمتين «Stagflation» أو «الركود التضخمي» في ظل الركود والبطالة ضاع الاستقرار المعهود وانخفضت الدخول، وفي ظل التضخم تبددت قيمة النقود وضاع الاطمئنان إلى المستقبل. بدأ الشباب ينشغل، لا بنوعية الحياة ولكن بالبحث عن وظيفة مدرة لدخل كاف. وفي ظل هذه المشاغل الجديدة من الذي يمكن أن يفكر في القيام بثورة معادية للمجتمع الاستهلاكي.

شهدت السبعينات أيضاً بزوغ ظاهرة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، التي حاولت حل مشاكلها بالبحث عن أماكن حديثة للتوطن خارج موطنها الأصلي، فإذا بها تخلق فرص عمل حديثة في آسيا، حيث العمل الرخيص، أكثر مما تخلقه في الغرب، فزادت حدة البطالة في الغرب واشتد الشعور بالقلق على المستقبل.

زاد الطين بلة قدوم عهد السيدة تاتشر في بريطانيا في أواخر السبعينات، والرئيس ريجان في أميركا في مطلع الثمانينات، فإذا بالتاتشرية والريجانية يصبحان رمزين لسياسة يمينية جديدة، لا مكان فيها لتدليل نقابات العمال، وتتقلص فيها شيئاً فشيئاً دولة الرفاهية، وتتراجع فيها مجانية التعليم، فإذا بمطالب الحياة اليومية تصبح أكثر إلحاحاً، بينما تتضاءل فرص الانشغال بقضايا من نوع مقاومة ثقافة الاستهلاك، وتغيير مقررات التعليم، وتحسين العلاقات الاجتماعية.. الخ.

هذا هو الفرق القائم الآن بين عالم 1968، وعالم 2008.

كاتب مصري

writers@albayan.ae