قبل عدة أيام وبالتحديد في الخامس والعشرين من مايو الماضي احتفل مجلس التعاون بمرور سبع وعشرين عاماً على قيامه، مرت ذكرى تأسيس المجلس دون أن يلتفت إليها أحد فيما عدا أمين عام المجلس الحالي وأمانته الموقرة في الرياض حيث أقامت احتفالا بسيطا بهذه الذكرى الوطنية الغالية على قلوبنا، وبعض من رسائل التهنئة التي بعثتها الأمانة لقادة المجلس، أما فيما عدا ذلك فلم نسمع ولم نر أحداً احتفى بذكرى تاريخ الولادة والذي كان بالتحديد في 25 مايو من عام 1981 في العاصمة الموقرة أبوظبي وبالتحديد في فندق الانتركونتننتال.

ولعل من المناسب في هذه المناسبة أن نستحضر بعضا من ظروف التأسيس والنشأة والاجتماع الأول، وخير من كتب في ذلك عبد الله بشارة أول أمين عام لمجلس التعاون لدول الخليج في كتابه الرائع «بين الملوك والشيوخ والسلاطين»، وهو كتاب قيم يستحق القراءة بحكم تأريخه لحقبة هامة من تاريخ المنطقة شهدت إنشاء أقوى تجمع عربي إقليمي ألا وهو مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي مضى على إنشائه أكثر من ربع قرن.

فلقد ذكر الأمين العام السابق السيد بشارة ـ الله يذكره بالخير ـ في كتابه وفي أول مؤتمر صحافي عقد في قاعة واسعة في فندق الانتر في أبوظبي، بعد اللقاء التاريخي الأول لتأسيس مجلس التعاون، الظروف الأمنية الصعبة وملامح البيئة الجغرافية المعقدة التي ولد فيها المجلس.

حيث كان لتداعيات توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل والأساليب التي انتهجتها بعض الدول العربية كالعراق وليبيا وسوريا في فرض شروطها بطرق استفزازية على دول الخليج في قبول القرارات التي تريد هذه الدول تنفيذها ضد مصر أكبر الأثر في إصرار دول الخليج على إيجاد تنسيق مشترك يضمن نقل رأي واحد عن دول الخليج بخصوص هذا الموضوع.

بالإضافة إلى نجاح الثورة الإيرانية وما رافقها من صخب ثوري شعاراتي موجه ضد دول الخليج وتبني مفردات ومصطلحات استفزازية تصادمية موجهة ضد دول مجلس التعاون، ثم فيما بعد انفجار الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر من عام 1980، والوضع المتوتر على الحدود بين سلطنة عمان واليمن الجنوبي والناتج عن سياسة حكومة عدن في تثوير منطقة الحدود بين البلدين.

ومن ثم الغزو السوفييتي لأفغانستان وما أفرزه من ردة فعل عنيفة في دول الخليج؛ جميع هذه الظروف الأمنية المعقدة فرضت على دول الخليج إيجاد صيغة خليجية مشتركة توفر لدول الخليج اتخاذ مواقف موحدة وقد تمثلت هذه الصيغة في قيام هذا التجمع المسمى بمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ولكن على الرغم من الصيغة الأمنية التي حددت قيام المجلس وفرضت عليه شروطها والتي استطاع المجلس أن يتجاوزها بكل نجاح إلا أن مهمة المجلس اختلفت فيما بعد ولم تعد تقتصر على النواحي الأمنية فقط، حيث أخذت الصيغة التعاونية والتنسيق المشترك تشمل جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصناعية بما فيها الأمنية والسياسية، وفي هذا إفحام للمغرضين الذين توقعوا فشل المجلس بانتهاء الأزمات الأمنية التي عصفت به وكانت السبب الرئيسي في قيامه في تلك الفترة. فالمجلس أثبت قوته بتجاوزه تلك التحديات الأمنية والسياسية.

ولقد نجح في البقاء والاستمرار، فمنذ نشأة المجلس وحتى قمة الدوحة الأخيرة في ديسمبر 2007 عقد المجلس 28 قمة دورية بشكل منتظم ولم يتخلف المجلس عن عقد قممه الدورية على الإطلاق، وهو ما لا يوجد لدى غيره من التنظيمات الإقليمية القريبة منه. وهذا أمر يكتب للمجلس قدرته وريادته وقيادته للعمل التكاملي في الوطن العربي.

كما استطاع المجلس أن يتجاوز الموضوعات السياسية والأمنية وذلك من خلال التوسع في مجالات أخرى كالتكامل الاقتصادي مثلاً حيث نجح في بلورة صيغة جديدة تمثلت في الاتحاد الجمركي الخليجي والسوق المشتركة الخليجية وقريباً العملة الخليجية الموحدة. فلقد أصبح المجلس إضافة نوعية رائعة للعمل الخليجي المشترك، فلولاه لما تحققت الكثير من الانجازات على الأصعدة المختلفة بين الدول الخليجية.

وها هي اليوم دول مجلس التعاون تلعب دوراً إيجابياً في المنطقة العربية من خلال العمل الجاد والمستمر من أجل إيجاد حلول للمشاكل والأزمات العربية. فمن ينسى الدور الذي لعبته قطر والإمارات ومن وراءهم الدول الخليجية الأخرى الداعمة لها في إيجاد حل لحالة الاحتقان السياسي والأمني الذي عصف بلبنان لمدة أكثر من ثمانية عشر شهراً.

فاتفاق الدوحة هو حصيلة إيجابية للتوافق الخليجي الذي أعطى الدول الخليجية دوراً تلعبه في سبيل دعم التعاون والتكامل العربي المشترك. هذا النجاح في لبنان يقابله نشاطات خليجية أخرى في مناطق عربية أخرى كاليمن وفلسطين والعراق والصومال. فمجلس التعاون الخليجي أصبح وسيلة هامة من وسائل الدعم للعالم العربي.

واليوم وبعد مرور سبعة وعشرين عاماً على قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربي يلاحظ المتابع للدور القيادي الذي تلعبه دول المجلس على مختلف الأصعدة في محيطها العربي، حيث أصبحت دول المجلس بمثابة القائد أو النموذج الأمثل لباقي الدول العربية كي تحتذى بها في الكثير من المجالات التي استطاعت أن تحقق فيها انجازات رائدة في الوقت الذي فشلت فيه منظومات عربية أخرى من تحقيق بعض من ما أنجزته دول المجلس.

فحق لنا ـ نحن الخليجيين ـ بالذات أن نفاخر بهذا المجلس وبوجوده ونعمل على تعزيز دوره بشكل أكبر فهذا مشروعنا الحضاري الكبير الذي لابد من المحافظة عليه وتعزيزه بكافة الوسائل والأساليب التي تضمن استمراريته ونجاحه.

فعذراً مجلسنا الموقر على عدم الاهتمام بعيد ميلادك السابع والعشرين فكل عام وأنت بخير، يبدو أن الشعوب الخليجية مغمورة إما بمشاكلها الداخلية كل في وطنه، أو ان بعضهم يلهث وراء الكماليات المادية وأشياء أخرى تنم عن فراغ معنوي كبير لابد من شغله بالانشغال بهموم الأوطان ومنجزاتها، فكل عام وأنت طيب ومزيداً من النجاح وتحقيق أواصر التعاون والتكامل.

كاتبة إماراتية

f_mansouri78@hotmail.com