هناك فرق كبير جداً وشاسع بين أسلوب التكتيك وإبداء النية الحسنة.
وحيث لا توجد في الأساس نوايا حسنة في التكتيك الدولي، لذا تظل معظم الحلول في الأزمات الدولية صالحة لفترة محدودة ومعلقة إلى أجل ما. وكثيرا ما تعود إلى السطح بعد انتهاء صلاحيتها. وربما من أكثر الكائنات الحية التي تعيش على سطح الأرض استخداما للتكتيك لبلوغ مآربه هو الإنسان.
فقد يعقد حلف هنا واتفاقية هناك بغرض ظاهر هو التوصل لوضع حل لأزمة بين دولتين. ولكن ما يحدث في كثير من الأحيان أن أحد الأطراف يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان ضحية لتكتيك سياسي لا أكثر.
فعلى سبيل المثال، اتفاقيات السالت 1و2 وستارت 1 في الثمانينينات للحد من إنتاج الأسلحة النووية بين الاتحاد السوفييتي (آنذاك) وأميركا، كان الظاهر منها هدف إنساني بحت وهو تجنيب البشرية من أسلحة الدمار الشامل، ثم اكتشف العالم بعد حين وروسيا بعد فوات الأوان بأن الغرض المستور منها كان كسر شوكة الاتحاد السوفييتي لتبقى الولايات المتحدة الأميركية ممتطية ظهر العالم بلا منازع. ولكن هل حل ذلك من المشكلة؟
بالطبع، لا. فتجريد الاتحاد السوفييتي من سلاحه أضر بالولايات المتحدة أكثر مما نفعها. لقد كان الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت بمثابة الحارس الشرقي للكرة الأرضية ضد الإرهاب وانفلات الأمن في بعض الدول التي كانت تدور في فلكه أو خارجه، إلى أن قُصِفتْ الولايات المتحدة في عقر دارها.
لكن هذا الدرس لم ولن يستفيد منه أحد. فمن النادر أن نجد لدى الكائن البشري تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وربما لكون (أنانية) الإنسان في إيثار نفسه على الآخرين دور في انتقال عدواها إلى المجتمعات الدولية بشكل موسع. لذا فإن عدد أيام السلم التي نعمت بها الكرة الأرضية على مدى التاريخ قد تعد على يد الأصابع الواحدة. بل إن هناك من يرى بأن الكرة الأرضية منذ نشأتها لم تنعم بعد بـ 24 ساعة كاملة من السلام التام. فلا يمر يوم إلا وفيه حرب ما بين دولتين أو شعبين أو حتى قبيلتين في مكان ما من العالم.
لهذا السبب فقط نعيش في قلق دائم من المستقبل القادم.
لماذا لا نضع النية الحسنة في مقدمة علاقاتنا البشرية؟ لا أحد يعلم.
الأمر كان يتم في السابق بطريقة غير معلنة وبسرية تامة. فلا أحد يعرف ضمير ونية الآخر إلا بعد أن تنكشف النوايا. أما في الوقت الحاضر، فإن إعلان النوايا السيئة هي التي تسبق الاتفاقيات والمعاهدات.
فعلى سبيل المثال، جاهر وزير البنية التحتية الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر بأن الغرض من التوصل إلى سلام مع سوريا هو: «عزل إيران وإسكات حزب الله»، كلام رسمي مخيف يفضح نيات الحكومة الإسرائيلية على لسان أحد مسؤوليها البارزين. بالطبع، فالكل يعلم بأن مناورات إسرائيل في الآونة الأخيرة بالتحدث عن معاهدة سلام مع سوريا لم تذهب في حقيقتها لأبعد من مجرد تكتيك يرمي إلى فصل إيران عن سوريا والقضاء على حزب الله وحماس.
ولكن ما لم تعلنه بعد النية الإسرائيلية بشكل صريح ورسمي، هو محاولتها عزل الأطراف الثلاثة عن بعضها البعض ليسهل القضاء على كل منها بشكل فردي. فلا إيران ولا سوريا ولا حزب الله ولا حماس جهات قد تأمن إسرائيل شرها حتى في ظل توقيع معاهدات سلام معها. ولو كانت إسرائيل ترغب مقتنعة في سلام (حقيقي ونظيف مئة بالمئة) مع سوريا بهدف الاستقرار لطالبت أن ينضم حلفاء سوريا وقدمت تنازلات تليق بمستوى هذا السلام الذي يجب أن يكون ذا صفة دائمة.
وما غاب عن إسرائيل، (بسبب الفوضى التي تعيشها حكومة أولمرت هذه الأيام) هو أن سوريا صاحبة خبرة عريقة وتاريخ طويل في تكتيك الحرب واستراتيجيات الصراعات الدولية. فهي ليست وليدة اليوم، وهي تعرف جيدا بأن المراد من هذه المعاهدة أو الاتفاقية استخدامها (أي المعاهدة) كحصان طروادة للدخول إلى ما خلف أسوار النظام في سوريا وقلب الحكم فيها.
كما حصل في العراق ومن ثم المطالبة بمحاكمة النظام والقائمين عليه كما فُعل بنظام صدام حسين ومعاونيه، أو استخدام سوريا كحصان دونكيشوت يركبه الأميركيون والإسرائيليون معا للذهاب لمنازلة نظام إيران من جهة ومقاومي حزب الله وحماس من جهة أخرى. وهذا يدل على أن مخططي هذه الاتفاقية في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية مازالوا متأثرين بخيالات سيرفانتس في قصته «دون كيشوت»!
ولم يدركوا بعد أن سوريا لا تغفل بأن إثارة موضوع السلام هذه الأيام مع إسرائيل وتسريع المعسكر الغربي له لم يأت من حسن نية، وإنما لأن هذا المعسكر الغربي أيقن بعد تجربة بأن إلحاق الهزيمة بدول تنتمي إلى العالم الثالث وكسر شوكتها لن يتحقق لها بالحروب التقليدية ولكن بمعاهدات سوء نية من هذا القبيل، ويثبت أيضا بأن إسرائيل أصبحت في موقف لا يحسد عليه خاصة بعد احتفالها الذي دار حوله لغط كثير فيما يتعلق بمسألة استمرار أو زوال دولة إسرائيل. لذا تتصرف سوريا اليوم من موقف قوة ولا تتعجل المعاهدة قبل أن تضمن أنها هي من يدير لعبة المعاهدات.
وهي تعرف جيدا بأن إيران تشكل دعما استراتيجيا لها وللمقاومة في لبنان وفلسطين، وأن عروض السلام المتساقطة من كل جهة عليها لم تأت إلا لوجود جروح غائرة ونازفة دون توقف في جسد هذا الكيان منذ 60 عاما من الصراع والصدام والحروب والعنف والإرهاب والتفجيرات والمقاومة المستمرة والانتفاضات المتتالية والصواريخ التي تطلق من الشمال والجنوب والقلق وعدم الاستقرار والفساد وضعف الإدارة السياسية بعد أن غاب عن دولة إسرائيل مهندسوها الكبار، وتولى إدارتها اليوم مجموعة من التجار البسطاء ليس لهم باع في مخططات السياسة ولا في تكتيك الحروب ولم يعد من هم لهم سوى تكوين ثرواتهم الخاصة والفرار، قبل أن ينهار المعبد بما فيه على من فيه.
فأي سلام هذا الذي نتحدث عنه اليوم، إذا كان الغرض منه صراحة وجهرا القضاء على طرف السلام الرئيسي؟ وكم سيستمر إذا ما انكشفت اللعبة أو فشل المخطط؟ ألن يتحول السلام في هذه الحالة إلى فوضى أكثر دمارا من حالة اللا حرب واللا سلام الحالية؟
لكن، هكذا تختبئ النوايا السيئة في توقيع معاهدات السلام في تاريخ البشرية.