عندما صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية عن الأمم المتحدة عام 2003 أصيب العالم أجمع والعرب على وجه الخصوص بالذهول، فالأرقام التي ذكرها التقرير عن الوضع العربي في مختلف مجالات المعرفة كانت وما زالت أرقاماً مخزية.

يحق للآخرين أن يذهلوا، ولكن لماذا ذهل العرب من تلك الأرقام؟ أظن إننا لم نكن نتصور أن تكون أوضاعنا بهذا التردي، وحتى إن بالغت بعض الإحصائيات في إبراز الجانب المظلم للحالة العربية، فهذا لا يلغي حقيقة وجود حالة مزرية في التعليم والثقافة والمساواة الاجتماعية وغيرها.

لقد كان للتقرير أثر إيجابي في الساحة الفكرية العربية، فلقد خرجت إلى الواقع بعض المبادرات الطموحة في مجالات ثقافية مختلفة، وانتقل الحديث عن أهمية إصلاح التعليم من أروقة البيروقراطية العربية إلى التربع على طاولاتها.

وعلى الرغم من أنني لست متفائلاً تجاه إصلاح التعليم ـ في الوقت الراهن على الأقل ـ حيث لم نرَ مشروعاً حضارياً يمكن أن نصنفه مع المشاريع الجادة في مجالات أخرى، ولكن هذا لا يقلل من أهمية الأرقام التي خرج بها التقرير.

ولكن التقرير أيضاً خلق حالة من الانهزامية لدى العرب عن غير قصد، فلقد اتخذته النخب العربية ـ وحتى المثقف البسيط ـ سوطاً يجلد به الجسد العربي المنهك كلّما دارت على العرب الدوائر. وذهب البعض إلى جعل تلك الأرقام شماعة اصطفت إلى جانب شماعات أخرى، كالاستعمار ونظرية المؤامرة واحتلال فلسطين وغيرها، يعلّق عليها العرب مشاكلهم كلما تحدثوا عن عراقيل التنمية في الوطن العربي.

ولقد كان للفضائيات العربية النصيب الأكبر في تعزيز هذه الحالة الانهزامية لدى المواطن العربي التي عمّقها التقرير، فالغالبية العظمى لبرامج هذه الفضائيات ـ والإخبارية منها على وجه التحديد ـ تتحدث عن مشاكل العالم العربي، وتسلّط الضوء على تأوهاته المتواصلة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

أذكر أنني حضرت محاضرة لإعلامي عربي متخصص في «الرسائل الإعلامية» حيث بدأ محاضرته بتوجيه السؤال التالي إلى الجمهور: «كم واحداً منكم رأى جثة واحدة لمن ماتوا في حادثة برجي التجارة العالمي في نيويورك؟» نظرنا إلى بعضنا باستغراب، ثم سأل إن كان من الحضور من لم يرَ جثث الشهداء الفلسطينيين ملقاة في الشوارع أو في ثلاجات الموتى عبر الفضائيات العربية، فلم يرفع أحد يده، بل قال البعض ان هذه المشاهد أصبحت عادية جداً بالنسبة لهم! لماذا؟

أردف: لقد منعت الحكومة الاميركية جميع وسائل الإعلام من تصوير جثث حادث برجي التجارة لأن رؤية هذه المناظر تعزز الروح الانهزامية لدى المشاهد، وعلى الرغم من أنها تثير فيه مشاعر الحميّة والغضب والتعاطف وكره الجاني، إلا أن هذه المشاعر تنحسر بعد مدة وتبقى الانهزامية مزروعة في العقل الباطن.

لم تكن الحكومة الاميركية في حاجة إلى عرض الجثث لإثارة الرأي العام العالمي، فلقد استطاعت أن توظف هذه الحادثة أحسن توظيف لغزو العالم دون استئذان من أحد، واستطاعت في نفس الوقت أن تستثير عواطف ملايين البشر.

أما الإعلام العربي، فلجهله، يقوم كل يوم بتعزيز الروح الانهزامية لدى المشاهد ظناً منه أنه يستثير حميته ضد المحتل، وفي أحيانٍ كثيرة يزعم إنه يقوم بذلك لأنه لا يريد العرب أن ينسوا القضية الفلسطينية!

لقد قام أحد أصدقائي المهتمين بمتابعة الأخبار بتصميم جدول قسمه إلى قسمين، الأول كتب فوقه (أخبار العرب) والثاني كتب فوقه (أخبار الغرب)، وأخذ يدون يومياً أبرز الأخبار العربية والغربية، وبعد عدة أشهر أرسله لي .

وكان كالتالي: أخبار العرب: تفجير في محطة حافلات، اشتباكات في الضاحية الغربية، بيان شجب، حملة توعية بمخاطر التدخين... أخبار الغرب: إطلاق مركبة فضائية، اكتشاف عقار جديد، إطلاق مشروع للحفاظ على البيئة البحرية... وقال لي إنه توقف عن مشاهدة القنوات الإخبارية العربية لأنها أصابته بشلل في التفكير وعلّة في التدبير.

لماذا نحب أن ننظر إلى النصف الفارغ من الكأس ونتجاهل النصف الممتلئ؟ بل لماذا لا ننظر إلى النصف الثالث من الكأس كما قال الأستاذ خيري منصور، وهو النصف الذي يتجاهل الناس وجوده، المتشائمون والمتفائلون على حد سواء، ويعني بذلك النظر إلى النصفين بحيادية، والحكم على الأمور تبعاً لزمانها ومكانها.فلا يعني النظر إلى أحدهما تغييب الآخر، ولكن القبول به والتفاعل معه بالنظر إلى الظروف المحيطة.

في العالم العربي تجارب تنموية عديدة، ولا أعني هنا التجارب التنموية لبعض الحكومات فقط، ولكن تجارب أخرى قام بها أفراد ومؤسسات خاصة وأهلية، ولكن للأسف انزوت هذه التجارب في زاويا منسية، ليس بسببها ولكن بسبب العقل العربي الراهن الذي يستخدم جانباً واحداً منه فقط وهو جانب الذاكرة، في حين عطّل جانب الإبداع لديه لأنه اعتمد على الآخرين ليفكروا عنه.

في الدول المتقدمة يحبون استخدام مصطلح «المقارنات المعيارية مَكو حفًْيَه» لمعرفة أماكنهم على خارطة التنمية والإبداع وللاستفادة من تجارب الآخرين.فهم ينظرون إلى النصف الممتلئ من حولهم ويحاولون أن يقتدوا به لملء نصفهم الفارغ.

يحللون تجارب الآخرين الناجحة ويسقطونها على ظروفهم ليخرجوا بخطط عملية لتحسين أوضاعهم. وفي اعتقادي إننا في أمس الحاجة لاستخدام هذه التجارب والبدء بزوايانا المنسية القابعة هناك في غياهب النسيان.

إن إجراء أبحاث ميدانية ومسوحات إحصائية هو أمر مهم بل وضروري لتشخيص أمراض المجتمع، ولكن أن تتحول هذه الأرقام والإحصائيات إلى لعنة إضافية فإن ذلك أمر لا بد من الانتباه إليه، بل ذهب البعض إلى تحريف هذه الأرقام والمبالغة فيها لاستقطاب المطلعين والباحثين ولإضافة عنصر الإثارة إلى أطروحاتهم. نريد إلى جانب الأرقام أفكاراً ومشاريع وخططاً تنموية لتحسينها، ونريد أيضاً أرقاماً مستقبلية تكون هدفاً يسعى الجميع لتحقيقه.

لماذا تتحدث كتبنا عن إخفاقاتنا وتتحدث كتبهم عن نجاحاتهم؟ كلانا لديه إخفاقاته ونجاحاته، ولكن هناك من يسكن الماضي وتأسره الذكريات، وهناك من يعيش الحاضر وتطلقه الطموحات. بعض الناس ينهون حديثهم بكلمة «كنا» وبعضهم يبدأون الحديث بكلمة «سوف».لا نريد أن ننسى الماضي ولكن لا نريده أيضاً أن ينسينا المستقبل.

عندما بنى الفرنسيون برج إيفل في نهاية القرن التاسع عشر إيذاناً منهم بدخول فرنسا عصر الصناعة، لم يهدموا قوس النصر الذي بناه نابليون تخليداً لذكرى جيشه، ولكنهم قالوا: إذا كان قوس النصر ينظر إلى الماضي، فإن برج إيفل ينظر إلى المستقبل.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com