دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لمؤتمر قمة يعقد في باريس في (13) يوليو المقبل تحت اسم التجمع من أجل المتوسط، تشارك فيه من حيث المبدأ دول شمال المتوسط وجنوب.
لكن دعوته هذه لم تجد أذناً صاغية من بعض الدول الأوروبية الفعالة وذات التأثير في الاتحاد الأوروبي كألمانيا مثلاً باعتبار أن تجمع مؤتمر برشلونة يفي بالغرض ولا ضرورة لعقد مؤتمر مواز قبل أن يستكمل مؤتمر برشلونة مهماته ويحقق غاياته مما اضطر الرئيس الفرنسي أن يعلن أن التجمع من أجل المتوسط هو بمثابة آلية لتنفيذ اتفاقيات برشلونة ومتمم لها ولا يشكل بديلاً ولا حتى هيئة موازية لبرشلونة.
وكي يقبل شركاؤه الأوروبيون عقد هذا المؤتمر أعلن الرئيس الفرنسي أيضاً أنه يمكن لأية دولة أوروبية أن تشارك في مؤتمر التجمع من أجل المتوسط كعضو كامل العضوية، ولهذا بلغ عدد الدول المدعوة للمشاركة في المؤتمر (41) دولة حتى الآن منها عشر دول عربية اقترحت في اجتماعها في القاهرة مطلع الأسبوع المنصرم أن تُفتح أبواب المشاركة في المؤتمر أيضاً لمن تشاء من الدول العربية.
وعليه فمن المتوقع أن يتجاوز عدد الدول المشاركة خمسين دولة، وهو ما يخرج المؤتمر عملياً عن مهماته الأساسية (المتوسطية) بدءاً من اسمه وانتهاء بالقضايا التي سيناقشها والتوجهات والمقترحات التي سيتوصل إليها.
من الواضح أن الرئيس الفرنسي يبحث عن دور مستقل أو مبادر للسياسة الخارجية الفرنسية بعد أن قاربها خلال السنة الأولى من ولايته من السياسة الأميركية ، والبعض يرى أنه اتبعها لهذه السياسة عكس ما فعل جميع سابقيه من الرئيس شارل ديغول حتى الرئيس جاك شيراك مروراً بالرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران.
ولم تعهد السياسة الخارجية الفرنسية منذ انتهاء الاستعمار القديم أي خلال الخمسين عاماً الماضية تبعية لأحد وكانت تسعى دائماً لتكون مستقلة بل لتكون قطباً رئيسياً في السياسة العالمية وإن من الدرجة الثانية، ولهذا انسحبت فرنسا عسكرياً من الحلف الأطلسي وكان لها مواقف خاصة بها من المعسكر الاشتراكي ومن حرب فيتنام ومن قبول الصين عضوا في الأمم المتحدة وإقامة علاقات ثنائية متينة معها .
وأخيراً من سياستها تجاه القضايا العربية والصراع العربي الإسرائيلي فلم تتجاهل هذه السياسة يوماً الحقوق العربية لا في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ولا في حيز العلاقات الثنائية مع البلدان العربية، ولذلك فقد لاقى الرئيس ساركوزي صداً ومقاومة لسياسته الخارجية الجديدة القريبة من السياسة الأميركية.
سواء من قبل الأحزاب والتيارات السياسة الفرنسية أم من الرأي العام الفرنسي أم أخيراً من أصدقاء وحلفاء فرنسا في أوروبا وفي العالم، وبدا للجميع وكأن فرنسا تخلت عن محاولات إنعاش الدور الأوروبي ومساعدته ليتبوأ موقفه كقطب كبير مقبل شريك في السياسة العالمية.
وربما لهذا كله ارتأى الرئيس ساركوزي عقد مؤتمر القمة لتجمع المتوسط باحثاً عن دور لفرنسا بعد أن ذبلت فعاليتها في النشاطات السياسة العالمية الأخرى، ويبدو أن الرئيس الفرنسي لم يكن يحسب حساباً لتحفظ شركائه الأوروبيين أو حذر البلدان العربية من هكذا مؤتمر غير واضح المهمات والمعالم والذي قد يشكل منزلقاً لها للتطبيع مع إسرائيل، خاصة وأن مقررات برشلونة لم تلغ ولم تبلغ أهدافها بعد فما فائدة إضافة مقررات وتوصيات جديدة إليها كما ترى البلدان العربية.
حاولت السياسة الفرنسية مؤخراً إقناع الدول العربية بسياستها المستقلة من خلال الإعلان عن التواصل مع منظمة حماس والترحيب باتفاق الدوحة اللبناني وانتقاد السياسة الأميركية بحذر تجاهه حيث اعتبرتها (قاسية بعض الشيء) ومد بعض جسور العلاقات مع سوريا والتراجع جزئياً عن موقفها المتشدد تجاه إيران معتبرة أن هذه الإجراءات تقنع الدول العربية بأن السياسة الفرنسية مازالت على استقلاليتها بل وعلى ألقها القديم.
أحاط الحذر من عقد مؤتمر القمة للتجمع من أجل المتوسط بمداولات ومقررات الدول العربية المدعوة للمؤتمر والتي اجتمع وزراء خارجيتها أو من يمثلهم في القاهرة، وعبر بعضهم عن خشيتهم من أن يكون المؤتمر وسيلة للتطبيع السياسي مع إسرائيل باعتبارها عضواً مدعواً للمؤتمر وبالتالي عن خوفهم من أن يشكل المؤتمر منزلقاً لهذا التطبيع ولعلاقات جديدة قبل التوصل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي، وهذا ما صرح به وزير الخارجية المصرية بعد انتهاء الجلسة الأول.
لقد أحاطت اتفاقيات التعاون العربي الأوروبي (اتفاقيات برشلونة) بكل ما يأمله الطرفان من تعاونهما وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على هذه الاتفاقيات تبين أنها لم تكن مجدية وكذلك تجمدت وجف عودها وها هو مشروع التجمع المتوسطي يعلن إخفاقها.
ويشير معظم المراقبين أن أسباب هذا الإخفاق تعود إلى أن معظم الدول الأوروبية استغلت هذه الاتفاقيات لتقيم علاقات خاصة مع إسرائيل وتوظفها لخدمتها وعلى حساب الحقوق والمصالح العربية، ومن المتوقع أن لا يكون موقف هذه الدول مختلفاً من اتفاقيات التجمع من أجل المتوسط المقبلة.
سوف تهتم قمة التجمع من أجل المتوسط بالدرجة الأولى بالعلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول أوروبا والدول العربية وبمعالجة قضايا الهجرة غير المشروعة من الجنوب إلى أوروبا إضافة إلى مكافحة الإرهاب وترى بعض الدول العربية أنها ستعمل على فرض التطبيع السياسي والاقتصادي بين العرب وإسرائيل.
وإن كان ذلك كذلك فلن يستفيد العرب من هذه القمة بأي شيء، وهذا ما كان مدار النقاش في اجتماع القاهرة الذي أشرت إليه، وفي الحالات كلها ترى بعض الدول العربية أن المؤتمر لن يأخذ المصالح العربية باعتباره وان العرب لن يستفيدوا منه استفادة جدية ولذلك يميلون نحو التحفظ على هذا المؤتمر إن لم يكن رفضه.
كاتب سوري