بعد نجاح اللجنة العربية برئاسة قطر في معالجة الأزمة اللبنانية، أخذت ترتفع في قطاع غزة خصوصاً وفي الساحة الفلسطينية عموماً، مؤشرات التفاؤل بإمكانية تحقيق نجاح مماثل ينهي أزمة الانقسام الفلسطيني التي مضى عليها ما يقرب من عام كامل.
الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، صرح يوم الأحد الماضي الخامس والعشرين من هذا الشهر »أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، كان في اتصال هاتفي قد أبدى استعداده لقبول وساطة عربية لإنهاء النزاع مع حركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس«.
والحقيقة أن ثمة من يرى الكثير من التماثل بين الوضعين اللبناني والفلسطيني من جوانب عديدة، وهؤلاء يعتقدون ان ما جرى في لبنان وبشأنه، يشكل مؤشراً على ما ينتظر الساحة الفلسطينية، بالرغم من اختلاف الوضع في أمرين.
الأول: أن حضور العامل الإسرائيلي المباشر في مجريات الوضع الفلسطيني ومآلات الأزمة أو معالجتها، تشكل عنصر اختلاف حقيقي وفاعل قد يؤثر نوعياً في قدرة المجموعة العربية، حتى لو توفر لها الإجماع، على توفير حل مناسب يرضي طرفي الصراع الفلسطيني ويعيد اللحمة للفلسطينيين.
في هذا الإطار تبدو إسرائيل على أنها صاحبة مصلحة، بل صاحبة المصلحة الأساسية في إبقاء وتعميق وإدامة الانقسام الفلسطيني الذي يوفر لها الكثير من المزايا التكتيكية والاستراتيجية.
إن تحكم إسرائيل بمصير الوضع الفلسطيني عبر وسائل مختلفة، يشكل عقبة حقيقة أمام عودة الحوار واللحمة للفلسطينيين، مما يستدعي جهدا عربيا جماعيا مكثفا وفاعلا على المستوى الدولي، خصوصاً مع الولايات المتحدة لتوفير غطاء دولي مناسب ومطلوب لحماية التحرك العربي، ولضمان تحقيق نتائج إيجابية.
أما الأمر الثاني فيتصل بمستوى تطور الأزمة وإشكالاتها وتداعياتها لدى الفلسطينيين، والتي تجاوزت كثيراً ما شهدته الساحة اللبنانية قبل أن تصل الأطراف المتنازعة المعارضة والموالية في لبنان إلى العاصمة القطرية. ما جرى في لبنان لم يصل حد الانقلاب العسكري أو السياسي، أي أنه لم يصل حد كسر العظم رغم مضي ثمانية عشر شهراً على اندلاع الأزمة التي بدأت بالاعتصام الكبير الذي أعلنته قوى المعارضة.
أما الساحة الفلسطينية فقد شهدت انقلاباً عسكرياً، حيث أطاحت حركة حماس بالقوة، بكل وجود السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، مما أسس لوجود انقسام شامل جغرافي، سياسي، اقتصادي، واجتماعي، ولوجود نظامي حكم.
ففي قطاع غزة تمسكت حركة حماس ببقايا الحكومة السابقة على الانقلاب، وببقايا المجلس التشريعي، وسيطرت على جهاز القضاء، واستفردت بإدارة مؤسسات ووزارات السلطة.
وفي الضفة الغربية الرئيس محمود عباس أقال حكومة إسماعيل هنية واعتبرها غير شرعية، وكلف الدكتور سلام فياض بتشكيل حكومة، واستند إلى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في غياب المجلس التشريعي، ولم يعترف بجهاز القضاء والمؤسسات التي أقامتها حماس في غزة.
وخلال العام الماضي منذ الانقلاب، استمر التحريض واستمرت الاتهامات المتبادلة، ولم تتوقف عمليات الصراع، مما خلف انقساماً اجتماعياً خطيراً، هذا فضلاً عن اختلاف الظروف بين الضفة الغربية المفتوحة على العالم المحيط وقطاع غزة المغلق تماماً بحصار إسرائيلي عربي ودولي محكم لم تنجح حركة حماس في اختراقه أو تخفيفه.
يزداد الوضع صعوبةً أمام التدخل العربي لإنهاء أزمة الانقسام الفلسطيني، بسبب فشل محاولات عربية سابقة، فلقد أبدت القاهرة اهتماماً كل الوقت، وفشلت اتفاقية مكة بعد تدخل العاهل السعودي، كما فشلت محاولات قامت بها قطر .
واستدعت من رئيس وزرائها ووزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم زيارة الأراضي المحتلة لهذا الغرض، كما فشلت المبادرة اليمنية، ولم تتحرك قرارات الجامعة العربية والقمة العربية الأخيرة قيد أنملة في اتجاه الحل.
إن العرب يشعرون بالخذلان إزاء تصلب المواقف الفلسطينية من مسألة حل الأزمة، ولذلك فإنهم يتوخون الحذر ويتحسبون من احتمالات فشل ستكون نتائجه صعبة على الفلسطينيين والعرب أيضاً. فبالرغم من التناقضات العربية القوية بشأن لبنان، وهذه لم تعد سراً.
إلا أن الأطراف الأساسية المتناقضة، تنحت جانباً وتركت لدول عربية أقل وزناً في التأثير على القرار العربي متابعة حل الأزمة اللبنانية، وكان ذلك عاملاً مسهلاً، حيث استدعت الأطراف اللبنانية نتائج ما جرى على الأرض، وأبدت مرونة كافية ومحسوبة سياسياً من أجل التوصل لاتفاق.
فلقد أدركت المعارضة، وأعلنت، أنها لا تنوي السيطرة على الحكم أو تغيير أسسه وبأنها ستحافظ على طبيعة لبنان التعددية، وبالتالي قبلت بتعديلات طفيفة على تركيبة الحكومة بما يجعلها تشعر بالمشاركة من موقع الثلث المعطل وهذا ما طالبت به منذ البداية، كما قبلت تعديلات طفيفة على قانون الانتخابات تسمح بشيء من العدل، ولم تسع إلى تغيير النظام الانتخابي بالكامل.
وفي المقابل أدرك فريق الموالاة أن ميزان القوى على الأرض ليس في مصلحته وأن عليه أن يقدم بعض التنازلات، خصوصاً بعد شعوره بالخذلان من ردود الفعل العربية والدولية الضعيفة التي لم تؤمن له الحماية، لذلك تراجعت الحكومة عن قراريها اللذين تسببا في الأزمة الأخيرة.
وكان على فريق الموالاة أن يدفع ثمن هذا التراجع لكونه اعترافاً بالخطأ، يلخص اعترافاً بالضعف. هذه المعادلة سهلت على المجموعة العربية التوصل إلى حل على قاعدة غالب ومغلوب وليس منتصرا ومهزوما، ولكن مع حفظ الكرامات والصيغ العامة التي تحكم النظام في لبنان والعلاقة بين طوائفه.
في الحالة الفلسطينية تدعو حركة حماس إلى حوار يقوم على معادلة لا غالب ولا مغلوب، وبدون شروط مسبقة، وفي الحقيقة فإن واقع سيطرتها على قطاع غزة وطبيعة المؤسسات التي أقامتها هناك، إنما يشكل شرطاً مسبقاً، ذلك أن ما قامت به يعد من وجهة نظر حركة فتح والفصائل الأخرى خروجاً على الشرعية وانقلاباً عليها.
لذلك تصر حركة فتح، والفصائل الأخرى، على أن بدء الحوار يستدعي أولاً رفع الشرط الحمساوي، أي أن تعلن حركة حماس عن استعدادها للتراجع عن نتائج الانقلاب، وهو ما ترفضه حركة حماس حتى الآن، ويشكل العقدة الأساسية أمام المنشار.
في كل الأحوال وبالرغم من تزايد الأصوات الفلسطينية التي تتطلع لجهد عربي مماثل لما جرى في لبنان، إلا أن الأوضاع والمواقف الفلسطينية وربما العربية أيضاً ليست جاهزة لاتخاذ قرار عربي في هذا الاتجاه.
ويبدو أن ثمة سباقاً بين جهد عربي ينتظره الكثير قبل أن يتحرك على جبهة أزمة الانقسام الفلسطيني، وبين ما تحضر له إسرائيل من عملية عسكرية كبيرة وواسعة ضد قطاع غزة، لا يستبعد الكثيرون أن تقع خلال أسابيع قليلة وليس أشهراً.
دواعي ومؤشرات العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، لا تتصل بالضبط وفقط بموضوع الانقسام الفلسطيني أو المبادرات المنتظرة لإنهائه، وإنما في الأساس نتيجةً لقناعات إسرائيلية ترجح توجيه ضربة قوية لحركة حماس انطلاقاً من حسابات استراتيجية وإقليمية، على اعتبار أن مواجهة المخاطر تبقي على حالة الانقسام بين الفلسطينيين.
كاتب فلسطيني
